#adsense

بعد كل انتخابات تكثر الوعود ثم تتبخر…”الجمهورية”: لا قانون انتخابيا جديد ولبنان باق في 1960

حجم الخط

كتبت صحيفة "الجمهورية": تعوّد اللبنانيون ان يسمعوا من اهل السياسة بعد انتهاء كل موسم انتخابي لعنات على قانون انتخاب مضى وحقق لهم ما ارادوا من تمثيل في الندوة النيابية، مشفوعة بوعود غزيرة جدا باقرار قانون جديد يأخذ بأهداب إتفاق الطائف بما "يحقق صحة التمثيل الشعبي وعدالته" لجميع اطياف الشعب اللبناني في مجلس النواب.

وعندما انتهت انتخابات 2009 صب الافرقاء السياسيون بكل مشاربهم ومللهم ، إذا جاز التعبير، جام غضبهم على قانون 1960 الذي استحضروه من ماض سحيق الى حاضر ليبنوا عليه امجادهم النيابية والسياسية، ويتقاسموا "الجبنة" الانتخابية بموجبه، راحوا يعدون بأن يكون اقرار "قانون انتخاب عصري" في رأس اولويات الحكومة التي ستنبثق من الانتخابات،فكانت حكومة الرئيس سعد الحريري التي غادرت وبقي الوعد حبرا على ورق. ثم جاءت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لتجدّد هذا الوعد الذي يبدو اته سيبقى حبرا على ورق ايضا، لأن الافرقاء السياسيون عادوا على ما يبدو سيرتهم الاولى في أتجاه اقرار قانون الانتخاب في ربع الساعة الاخير الذي سيسبق موعد الاستحقاق الانتخابي، او بالابقاء على القانون القائم والنافذ من دون اي تعديل، لأن ما كان يصلح عام 2009 يبدو انه ما زال صالحا حتى اليوم.

ومع ان وزير الداخلية مروان شربل اطلق ورشة في الاسابيع الاخيرة لاعداد قانون انتخابي جديد واعدا في ان ينجزه في نهاية الشهر الجاري فيما يؤكد العاملون على وضعه بأنه سيعتمد النظام النسبي وفقما وعدت الحكومة في بيانها الوزاري، وكذلك وفقما تنص "وثيقة الوفاق الوطني" المعروفة بـ"اتفاق الطائف، فإن وضع العصي في دواليب القانون الانتخابي بدأ باكرا، وكان رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط اول من دق الاسفين الاول في نعش هذا القانون برفضه النسبية ودعوته الى تأجيل البحث فيها الى مراحل لاحقة خوفا من "ذوبان الاقليات في الاكثريات".

واذا كان قانون 1960 الذي اجريت انتخابات 2009 على اساسه وكان سببا من اسباب الحرب الاهلية عام 1975 حسبما يقول بعض السياسيين، قد خرق "اتفاق الطائف" واعاد البلاد 60 سنة الى الوراء، بأن أعتمد الاقضية دوائر انتخابية مضيّقا رقعة التمثيل النيابي الى اقصى الحدود، فإن الاوساط السياسية ترى ان الاعتراض على اعتماد النظام النسبي الذي يحقق التمثيل الشامل، انما يهدف الى الابقاء على القانون الحالي نافذا من دون حاجة الى اقرار قانون جديد. خصوصا وان البدائل التي يطرحها البعض ومنها ان تنتخب كل طائفة نوابها، او اعتماد الدائرة الفردية تجعله افضل حالا منها لأنه يحافظ على شيء من التنوع في الاختيار والانتخاب، خصوصا وان غالبية الاقضية ـ الدوائر الانتخابية تتمتع بتنوع طائفي ينتخب نوابا من كل الطوائف، في حين أن انتخاب كل طائفة لنوابها يؤدي الى مزيد التقوقع الطائفي والمذهبي، والى مزيد من الانقسام بين اللبنانيين، ما يؤدي بالتالي الى وصول نواب متطرفين من كل الطوائف الى مجلس النواب يستحيل ان تستقيم معهم الحياة النيابية وحتى الحياة السياسية.

ويقول قطب بارز في الاكثرية لـ"الجمهورية" ان الانتخابات المقبلة آيلة الى الاجراء على اساس قانون الانتخاب الحالي، لأن ليست هناك امكانية لاقرار القانون الجديد الذي وعدت به الحكومة في بيانها الوزاري، وفي أحسن الحالات قد يتم تعديل القانون بعض الشيء حتى يقال انه تم اقرار قانون انتخابي جديد، لأن عددا من القوى السياسية يعارض النسبية او يتذرع بالقول انها "غير مفهومة".

ولذلك ستضيع فرصة جديدة لتطبيق ما نص عليه "اتفاق الطائف" الذي ينادي كثيرون كل يوم بالتمسك به ووجوب تطبيقه، فيما يمارسون السياسة بعكس ذلك منذ التوصل الى هذا الاتفاق خريف العام 1989 ومن ثم دسترته عام 1990.

ويرى هذا القطب الاكثري ان الحياة السياسية في لبنان ستبقى مريضة ومتخلفة طالما لم يوضع بعد قانون الانتخاب الذي يطوّر الحياة السياسية عبر تأمين صحة تمثيل اللبنانيين وشموليته وعدالته في الندوة النيابية، اذ لا يمكن تحقيق اي نقلة نوعية لتطوير هذه الحياة السياسية من دون إقرار مثل هذا القانون الذي يمكّن من ضخ دم جديد في الجسم السياسي. كما أنه لا يمكن بالتالي استكمال تنفيذ اتفاق الطائف وخصوصا بندي انشاء مجلس الشيوخ والغاء الطائفية السياسية المنصوص عنها في المادة 95 من الدستور.

فحسب هذا الدستور إن انشاء مجلس الشيوخ هذا لا يتم الا "بعد انتخاب اول مجلس نيابي على اساس وطني لا طائفي". وحتى يتم انتخاب مثل هذا المجلس اللاطائفي ينبغي ان يسبقه الغاء الطائفية، وحتى الآن ليس هناك اي شيء قد تحقق في هذا الاتجاه، وان كل ما يحصل هو اندفاع كثيرين اكثر فاكثر في اتجاه تكريس الطائفية وتعميقها، ويشكل الاقتراح الداعي كل طائفة الى انتخاب نوابها خير دليل في هذا المجال، بل يشكل "خروج الخروج" عن اتفاق الطائف، ويفوق بخطره "العودة الميمونة" الى قانون 1960 عام 2009.

على انه يسجل ،منذ التوصل الى اتفاق الطائف لم يقر اي قانون انتخابي يلتزم حرفيا ما ذهب اليه هذا الاتفاق، فهو حدد المحافظة دائرة انتخابية واحدة بعد اعادة النظر في التقسيم الاداري، فجاءت القوانين الانتخابية غالبا تعتمد الدوائر الصغرى ( اي الاقضية) والدوائر الكبرى ( اي المحافظة) في القانون الواحد، ما خلا القانون الذي أجريت الانتخابات على اساسه عام 1992 الذي اعتمدت فيه المحافظة دائرة انتخابية بإستثناء محافظة جبل لبنان مراعاة لواقع هذه المنطقة الخارجة من حرب، وكذلك مراعاة لمصالح بعض سياسييها. الامر الذي فتح الباب الى إعتماد استثناءات في قوانين لاحقة وفي مناطق أخرى، ومنها البقاع الذي اعتمد دوائر عدة.

حتى ان التقسيم الاداري لم تتم اعادة النظر فيه، على رغم أحداث محافظتي بعلبك ـ الهرمل وعكار اللتين ما تزالان إسما على مسمى ولم يعين لهما محافظان بعد.

كذلك لم تنفذ اللامركزية الموسعة التي تفضي الى إنشاء مجالس للمناطق يمكن ان تنتخب بالاقتراع الشعبي، ومن شأنها ان تساعد على وصول نواب الى المجلس يتمتعون بصفة تمثيلية افضل من اولائك الذين يصلون اليه بـ"قوة المال" أو بواسطة "المحادل" و"البوسطات" وغيرها.

ويعتقد القطب الاكثري ان لا إمكانية لإقرار القانون الانتخابي الذي يحقق عدالة التمثيل وشموليته ما لم يتحقق فصل فعلي بين مصالح السياسيين ومصالح الوطن، وما لم تقم في البلاد دولة الاحزاب على غرار ما هو قائم في الغرب بحيث تخوض هذه الاحزاب الانتخابات على اساس لوائح إئتلافية حزبية يختصرها حزبان أو أكثر تعتمد برامج تعلن للراي العام قبل الانتخابات حتى يختار عندها الناخبون اللائحة التي يرون فيها ما يعبر عن تطلعاتهم. علما ان قيام دولة الاحزاب هذه من شأنه ان يفتح الباب واسعا امام الغاء الطائفية، او على الاقل امام بناء ثقافة من شأنها ان تبعد اللبنانيين شيئا فشيئا عن الطائفية، ما دام متعذرا الآن الشروع في الغائها حسب مندرجات المادة 95 من الدستور.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل