ميقاتي يحظى بتسامح غير مألوف لدى 8 آذار
استحقاق الالتزامات وسّع هامش الحكومة
في تطور لافت ونادر بالنسبة الى المشهد السياسي اللبناني، لم تثر مواقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وتكراره مرارا ان "مصحلتنا (كلبنانيين) هي مع الشرعية الدولية" ايَّ رد فعل ايجابي او سلبي من جانب "حزب الله" والقوى التي تنتمي الى قوى 8 آذار في حين ان لقاءات مع مسؤولين اميركيين كان يجريها رؤساء سابقون للحكومة او اطلاقهم مواقف مماثلة حتى من دون القدرة على تنفيذها كانت تطلق اتهامات اقلها العمالة للغرب وللولايات المتحدة. وكذلك الامر بالنسبة الى المواقف التي اطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في نيويورك في الاطار نفسه. وتاليا فان هذه الزيارات هي من المرات النادرة حيث لم تحظ اللقاءات مع المسؤولين الغربيين، وهي لم تكن كثيرة في اي حال، او مضمونها بأي تعليق سلبي من قوى 8 آذار. ذلك ان اي موقف لرؤساء الحكومات السابقين منذ زمن الرئيس رفيق الحريري لم يكن ينزل بردا وسلاما على قلب الحزب كما على النظام السوري علما ان الرئيس ميقاتي ذهب حتى الى القول ان لبنان قد ينفذ العقوبات التي يمكن ان تفرض على النظام السوري وان كان سيعارضها في مجلس الامن. وهو قال جازماً بتمويل المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري على رغم اعتراض علني من "التيار الوطني الحر" الذي تعتقد مصادر سياسية ان اعتراضه يترك الباب مفتوحا امام الحزب من اجل تعديل موقفه من التمويل في حال طرأ طارئ وهذا الاعتراض هو بمثابة جس نبض من جانب الحزب لرؤية ردود الفعل التي يمكن ان يبني على اساسها مواقفه النهائية.
وتثير المواقف المتقدمة للتيار الوطني الحر على لسان نوابه ووزرائه المعارضة للمحكمة والمتهمة اياها بالتسييس كما في مهاجمة الولايات المتحدة على نحو يتجاوز بأشواط "حزب الله"، تساؤلات جدية حول نتائج هذه السياسة على المسيحيين ومصلحتهم في اثارة عداء الاخرين لغير مصلحتهم لكن هذا موضوع اخر لا يجد اجوبة له في هذا السياق.
وهذا التطور في حد ذاته هو مثار اهتمام في الواقع، اذ ان لبنان الرسمي كان يترك لنفسه هامشا ازاء التزامه القرارات الدولية استنادا الى انضمامه او تأثره بمحور اقليمي محدد. وهو تطور قد يتصل بالمتغيرات الكبيرة في المنطقة والتي قد تكون تلعب دورا في حصوله بالمقدار نفسه الذي يمكن ان يعزى هذا التطور الى عوامل داخلية. وهذه العوامل تتصل ايضا بالسياسة التي اعتمدها الحزب منذ تأليف الحكومة وسعيه الى التمييز بينه وبينها على اساس انها ليست حكومة "حزب الله" وفق ما سعى الى اظهاره في الاشهر القليلة الماضية خشية ما يرتبه ذلك على لبنان على صعد عدة على رغم اقتناع مراقبين سياسيين بسيطرته على قرار الدولة وأنه يتحكم بمفاصلها. فضلا عن أن هذا التمييز يسمح له بسياسة خارجة او مختلفة عن سياسة الحكومة من حيث اضطرار هذه الاخيرة الى اتخاذ مواقف محددة يبقي الحزب نفسه في منأى عنها على رغم انه مع مكونات قوى 8 آذار يشكل جزءا كبيرا منها.
وتقول مصادر سياسية ان واقع وضع الغرب الحكومة اللبنانية تحت المجهر في انتظار رصد تلبية التزامات لبنان على صعيد الشرعية الدولية في ضوء الاقتناع ان "حزب الله" يسيطر على قرار الحكومة او محاولة تبين مدى سيطرته على القرار، هو الذي يتيح او يسمح بالذهاب الى هذا الحد في موضوع تأكيد التزام لبنان قرارات الشرعية الدولية في ظل هواجس مختلفة ليس اقلها ما يمكن ان يواجهه القطاع المصرفي وما يمكن ان ينال لبنان من انعكاسات نتيجة اخلاله بالتزاماته الدولية. لكن خلاصتها تظهر نية علنية في الالتزام اشد مما كانت عليه في زمن الحكومات السابقة علما ان الامر لا يطاول اكثر من تمويل المحكمة حتى الآن باعتبار ان التزام القرار 1701 ليس التزاما كاملا من جانب لبنان كما هو من جانب اسرائيل. وقد رأى مراقبون كثر ان رئاسة لبنان لمجلس الامن كانت لتشكل فرصة لان يقدم لبنان طلبا الى المجلس للاجتماع وتقديم رؤيته لتنفيذ القرار 1701. لكن هذا التنفيذ يتطلب مستلزمات ليس واردا تلبيتها لبنانياً في الوقت الحاضر لان تنفيذ القرار يعني الانتقال من وقف الاعمال العدائية الى وقف النار وتقديم لبنان الاوراق التي تثبت ملكيته لمزارع شبعا وهو امر لم يحصل عليه من الجانب السوري. كما انه ليس مستعدا لتنفيذ القرار لان هذا التنفيذ يعني واقعيا نزع وجود السلاح والسيطرة الكاملة للدولة اللبنانية.
لذلك هذا الالتزام للحكومة اللبنانية بأكثريتها من قوى 8 آذار، يبقى تكتيا في رأي المراقبين في انتظار استحقاقات جديدة قد يكون ابرزها على الارجح مدى التزام لبنان عقوبات محتملة على النظام السوري على رغم الوضع الحساس للبنان وعدم التزامه فعليا الحياد ازاء ما يحدث في سوريا وعلى رغم ما يعلنه المسؤولون في هذا الاطار. لكنه يبقى استحقاق في ظل الموقف المعلن للمسؤولين الى جانب استحقاق تمويل المحكمة ولاحقا تجديد بروتوكولها من دون ان يعني ذلك ان التزام لبنان فعلا قرارات الشرعية الدولية لا يستحق الدراسة الجدية وموجبات هذا الالتزام راهناً.