#adsense

المنفذ اللبناني .. المقفل!

حجم الخط

لم يعد إلاّ لبنان شرفة يطلّ منها الرئيس السوري بشار الأسد على العالم. وإطلالاته تلك لا تبدو مغايرة للنسق الذي اعتُمد على مدى العقود الثلاثة (أو الأربعة) الماضية، رغم كل المتغيّرات العظمى التي تشهدها سوريا.
حالة فيها شيء من الغرابة لكنها (للمفارقة) لا تبدو مقطوعة عن شيء من المنطق. إذ إنّ رئيس سوريا يستطيع القول إنّ خطّه يتحطّم في بلاده لكنه يصمد في لبنان. وأنّ مريديه اللبنانيين في الحديقة الخلفية (أو الأماميّة) لمركز حكمه لا يزالون في أماكنهم السياسية. بل يستطيع أكثر من ذلك أن يدّعي أنّهم زادوا عدداً عمّا كانوا عليه، وتمدّدوا إلى نواحٍ ما كانت ممكنة وسلسة حتى عندما كان جيشه يتحكّم بالوطن المجاور وبأهله مباشرة!

بل يستطيع رئيس سوريا اليوم، أن يحصد جنى زرعه الدؤوب في التربة اللبنانية، تماماً كما يحصد جنى إهماله الفظيع للتربة السورية.. إلى هذا الحد يتوضّح كم أنّ لبنان في عُرف نظام دمشق، هو النخاع الشوكي لذلك النظام. وكم أنّ الجهد الذي بذله فيه على مدى سنوات لم يكن عبثياً أو من دون أفق سياسي طويل المدى، مختصره تذويب الجمهورية اللبنانية الملتبسة في الوعاء السلطوي السوري، وجعلها في مكان ما، بديلاً يعوّض فقدان أجزاء رئيسية من جسم الكيان الجغرافي السوري.

ويستطيع رئيس سوريا أكثر من ذلك، أن يتفاخر أمام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مثلاً بأنّ خسارته للعلاقة به لا تعني الكثير، طالما أنّه لا يزال يستطيع استدعاء ولقاء شخصيّات لبنانية رفيعة وعريضة المستوى وساعة يشاء.. كما يستطيع أن يتفاخر أمام رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان أن خسارته لصداقته وصداقة وزير خارجيته الخطير أحمد داود أوغلو لا تعني شيئاً، طالما أنّه يستطيع ساعة يشاء أن يُرسل وفداً مُعمّماً إلى عُقر دارٍ ظلّت عصيّة عليه طوال سنوات وعقود وعهود وحروب ونزاعات ووصايات ووشايات!

.. ويستطيع رئيس سوريا اليوم، أن يكسر حصاره من خلال الباب اللبناني، وأن يُحاجج العالم بأنّه يواجه مؤامرة داخلية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ بالحديد والنار، طالما أنّ عدد الذين يصدّقونه في لبنان أكبر من عددهم الذي في سوريا، أو في أي مكان آخر فوق هذه المعمورة.

.. مفارقة جديرة بالتقدير والاحترام. نظام يتحطّم في أرضه ويتمدّد ويتعزّز في أرض غيره. ويعينه على ذلك مَدَدٌ من لبنان، لا تفسير مقنعاً وأكيداً لنوازعه ودوافعه التي تجعله دونياً إلى ذلك الحدّ، ومؤجِراً مخّه إلى تلك الدرجة، وانتحارياً بالمعنى السياسي إلى تلك الحدود.

يُفهم ان تنزوي إلى الخلف في حالات الحروب الأهلية الفظيعة، المشاعر الوطنية الجامعة، وتتصدّر بدلاً منها نوازع حزبية وطائفية ومذهبية، وإلى جانبها نَفَسٌ كيدي مألوف. لكن ما لا يُفهم، إلاّ ربما من خلال شيء من علم النفس، هو ذلك الاستسهال المرضي من قِبَل ضحايا عنف واستلاب في لبنان، في قبول تغطية حالات عنف وعسف وقتل واستبداد تطال ضحايا آخرين في سوريا.

لا يُفهم الأمر حتى لو كانت الدوافع إلى قبول تلك التغطية، مربوطة بشرائط الخوف أو الاصطفاف الحزبي أو الديني أو المصلحي أو السياسي الاستراتيجي!

في كل تلك المناحي، تبقى مخاطر تأكيد الارتباط أكبر من مخاطر الامتناع (مجرّد الامتناع) عن تغطية ارتكابات غير مسبوقة. حيث إنّ اللحظة الراهنة والعابرة لا تعوّض أحكام الحقائق الدائمة والمستقرة.. والتاريخ خير مؤدّب ومنظّم للذاكرة عند الذين يستسيغون لعبة النكران والنسيان.

وعلى أي حال، فإنّه من دلائل انحدار ذلك النظام إلى مأزق مقفل، أن يستعين بلبنانيين ليقول للعالم، إنّه لا يزال قادراً على التحكّم بالسوريين!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل