لا يشرح الرئيس نجيب ميقاتي كيف سيموّل المحكمة. كلّ ما يقوله هو أنّ ذلك سيحصل، ونقطة على السطر!
الرجل يدرك استحالة أن يمرّر "حزب الله" ذلك في حكومة له فيها الأكثرية. لكنه يدرك أيضاً استحالة أن يُقدِم "الحزب" على مغامرة إسقاط هذه الحكومة قبل انتفاء حاجته الحيويّة الى دعمها، هو وحلفاؤه في دمشق. وفي "نقطة الأمان" التي يشعر بها بين هاتين الاستحالتين، يدرس ميقاتي خيارات احتمالات "احتياطية" من داخل الحكومة، وإلّا فسيرمي الكرة في المجلس النيابي، فيريح ويستريح. هناك الوضع أفضل. والأكثرية "القديمة" قادرة على تمرير اقتراح قانون معجّل مكرّر، وفرض التمويل على الحكومة. ولن يقوم "حزب الله" بتحدّي المحكمة والحكومة والمجلس معاً، وفقاً للتقديرات، وسيمرّر التمويل وكأنّه مفروض عليه، لعدم إعطاء المحكمة أيّ تغطية سياسيّة منه.
"المستقبل" يسهّل…
لكن البعض تحدّث أمس عن رغبة في "تيار المستقبل" للتصويت في المجلس ضدّ القانون، في حال طرحه. أوّلا لعدم إنقاذ ميقاتي من ورطته، وثانياً لخشية الطعن بالقانون في المجلس الدستوري، بناء على عدم دستورية الآلية التي أُقرّ فيها نظام المحكمة، ما يثير إشكالات حول دستوريّة المحكمة برُمّتها.
نائب بارز في "المستقبل" لا ينفي أن تكون فكرة التصويت ضد القانون قد طُرحت في اجتماعات الكتلة، لكنها بقيت مستبعدة. "فنحن سنصوّت حتماً على أيّ قانون يدعم عمل المحكمة. إنّها مسألة مبدئية. وفي أيّ حال، لا يمكن لأحد تعطيل هذه المحكمة، والتمويل متوافر في سهولة. لكن المشكلة تبقى هي إيّاها في حكومة ميقاتي، إذ عليها أن توافق في النهاية على التمويل، ولو جاء بقانون من المجلس النيابي. كما أنّ التمويل بمرسوم يتطلّب موافقة وزير العدل شكيب قرطباوي، المنتمي الى فريق "التغيير والإصلاح"، وكذلك اللجوء الى اقتطاع سلفة من احتياط وزارة المال". فالمشكلة ليست ماليّة بل سياسيّة.
مشكلة الحكومة في داخلها
المخرج عبر المجلس النيابي يحلّ ثلاث مشكلات: التمويل واستمرار الحكومة والعلاقة بين "حزب الله" وميقاتي.
لكنه لا يحلّ مشكلة أطلّت ملامحها بين الحكومة والمحكمة مع صدور مذكّرات التوقيف الدوليّة للمتّهمين الأربعة، في 30 حزيران الفائت، وهي مشكلة التزام الحكومة اللبنانية المحكمة. فلبنان الرسمي ردّ على طلب المحكمة بالقول إنّ إبلاغ هؤلاء متعذّر لعدم العثور عليهم داخل الأراضي اللبنانية.
وهذا الردّ بقي موضع درسٍ في لاهاي لمعرفة ما إذا كانت الحكومة اللبنانية بذلت جهوداً كافية للبحث عن المطلوبين، أم إنّها انصاعت لمنطق "حزب الله" الرافض للمحكمة وتسليم المتّهمين "ولو بعد 300 عام".
وفي 18 آب، وصف رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي جهود الحكومة في هذا المجال بأنّها "معقولة"، وأرسل بكتاب يطلب من لبنان استمرار التحرّي وتزويده تقارير شهرية عن النتائج.
تالياً، إنّ مهمّة التحرّي عن المتّهمين مستمرّة. وإذا ما أعلنت الحكومة اللبنانية رفضها تمويل المحكمة، فإنّها تكون قد وضعت قرينة على نفسها بأنّها ترفض المحكمة، واستتباعاً ترفض تسليم المتّهمين. وهذا يتناقض مع مضمون ردّها على المحكمة الدولية، الذي يعلن "تعذّر التنفيذ" وليس "الرفض".
محاذير الفصل السابع
وفي رأي مرجع في القانون الدوليّ، أنّ من شأن هذا التطوّر أن يتيح للمحكمة إمكان رفع كتاب الى مجلس الأمن الدولي، تبلغه فيه أنّ لبنان يرفض تنفيذ القرار 1757 الذي أوجد المحكمة. وينصّ القرار في البند -1- على إمكان العودة الى أحكام الفصل السابع من نظام الأمم المتّحدة، الذي يتيح فرض عقوبات اقتصادية وسياسية، وحتى عسكريّة، على الأطراف الممتنعين عن التزام القرار.
هذا المنزلق لن يقع فيه "حزب الله" في ذروة المآزق الداخلية والإقليمية. وعلى الأقل، سيجد الوسيلة المناسبة لتأجيل المعركة الطاحنة مع المحكمة حتى مطلع العام المقبل، حيث ينتظر استحقاق التمديد لبروتوكول التعاون معها في آذار 2012.
وسيجد "الحزب" أنّ التمويل مسألة تافهة في المضمون، وأنّ الأمم المتّحدة، التي تموّل "اليونيفيل" بموازنة تقارب المليار دولار، سيكون بسيطاً أمامها العثور على تبرّعات لتمويل المحكمة ببضع عشرات الملايين. فالمحكمة مستمرّة تحت أي ظرف. واستمرار الحكومة كأداة للإمساك بمفاصل السلطة حتى إشعار آخر يبقى أهمّ بكثير من اللعب لإسقاط المحكمة.