#adsense

جمعة «كلنا زينب الحصني» العرب والنزيف السوري المستمرّ

حجم الخط

ثمّة اندفاعة بدأها رؤساء الحكومات السابقين في لبنان في إطلاق تصريحات عن الأوضاع في سوريا، إنها الحاجة أم الاختراع، فالنظام في سوريا يريد أن «يحيي العظام وهي رميم، فاستخدم أدواته القديمة ـ الجديدة» هي محاولة «ولدت ميتة» فبعد إظهار المسيحيين اللبنانيين مؤيدين له، حان دور إظهار السُنّة على غير الصورة الحقيقيّة، فقد اختنق النظام في عنق زجاجة الداخل السوري ويبحث عن التقاط نفس يشير به إلى العالم بأنه ما زال هنا في لبنان، في وقت عليه أن يركّز كلّ اهتمامه على سوريا التي سيخسرها عاجلاً أم آجلاً بحسب «الطيّب» ـ التسمية للسيّد حسن نصر الله ـ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

بالطبع كان لافتاً أن ينقل الرئيس سليم الحص رسالة عن انتهاء الأحداث المؤلمة في سوريا صباح أمس، في حين كانت أخبار المساء تنقل أن حصيلة القتلى بلغت في يومين 47 قتيلاً معظمهم في «الرستن»، إضافة إلى الحديث عن استخدام الطيران الحربي في قصفها، لم نفهم بالضبط لمن حمل هذه الرسالة الرئيس الحصّ، بالتأكيد ليس للسوريين المشغولين بدفن قتلاهم واستلام جثث أبنائهم المتوفين تحت التعذيب، والذين يستعدّون اليوم لجمعة كلّنا «زينب الحصني»، المهمّ أن النظام في سوريا له ناطقين كثر في لبنان وهو كالعادة يستخدمهم عندما تدعو الحاجة، هذا في لبنان الذي حفظ هذه السيناريوات لكثرة ما كرّرها النظام السوري على مدى ثلاثين عاماً في لبنان، والذي للمفارقة باتت مضطرةً لاستخدامها في الداخل السوري للمناورة، فبتنا نسمع عن «الإصلاح» و»طاولة الحوار» وحكومة «وحدة وطنيّة»، أما الشعب السوري المسكين فيلعب اليوم دور الشعب اللبناني أو بدقّة أكثر يلعب دور، وحصار بيروت في العام 76 وقطع الطحين عنها وحصار المئة يوم في الأشرفيّة ودكّها دكاً، ثم حصار زحلة عام 79، ثم تدمير طرابلس عام 83، ثم إحراق بيروت عام 86، إنه السيناريو المعاد على جغرافيّة أخرى، وأكثر المتعاطفين والمتألمين لما يحدث للشعب السوري هم أبناء الشعب اللبناني، أمّا العرب، فحدّث ولا حرج!!

موقفهم اليوم مما يحدث للشعب السوري هو نفسه موقفهم لما حدث أيام نكبة فلسطين، واللافت أنهم أقلعوا عن تدبيج القصائد في التفجع والنواح أو «العنترة» و»قد المراجل»، صمت القبور خيّم على المنطقة العربيّة، باستثناء «الورثة» الشباب للأوطان والشعوب من تركة آبائهم، والبقيّة، قدم في الدنيا والثانية في الآخرة، ولله درّ (الشاعر القروي) رشيد سليم الخوري قصيدته المشهورة: «وعد بلفور»، أو في قصيدته الثانية التي شكر فيها بلفور ووعده: «إذ اعتبر أن «وعد بلفور» لعب دور المحفز للشعور بضرورة الوحدة، وحدة أمة مخلدة كالفجر، ولها في كلِّ يوم من أيام التاريخ غضبة مضرية ـ بالطبع لو كان هنا اليوم لاكتشف أن الأمة فراطة، ولفظت أنفاسها، وأن ليست مخلّدة، بل ميتة مجلّدة في ثلاجة الموتى، وأن لا فجر عربي سيطلع، لأن العرب ينامون كالحيوانات القطبية، ستة أشهر ويستيقظون ليتكاثروا ويناموا من جديد، والأهم أن هذه الأمة لم تعد تغضب، لا غضبة مُضريّة ولا قحطانيّة ولا عدنانيّة، فقد اعتادت المهانة ـ ومما جاء في هذه القصيدة: «جزى الله عنا «بُلفراً» أجر محسنٍ/ عرفنا به أنا سلالة أمة/ لنا كلّ يوم غضبة مضريَّة

فكلّ فتاة فـــي فلسطين «خولـة» فوالله لم يبرأ من الفضل «بلفر»/ مخلدة كالفجر يطوى وينشر/ تبرهن أن الحق كالله أكبر/ وكلُّ غــلام في فلسطين «عنتــــر»، بالطبع نستطيع اليوم أن نضع مكان خولة، زينب، ومكان عنتر لا بأس باستخدام «زعتر»!!

العرب في جاهليتهم قتل فيهم الشاعر التغلبي عمرو بن كلثوم، ملك العرب عمرو بن هند لأنه سمع أمه [ليلى بنت المهلهل] صرخت «واذلّاه يا لتغلب» لأن أمّ الملك [هند بنت الحارث] قالت لها: «ناوليني الطبق»، «فاستناول سيف ملك الحيرة المعلّق» وقبل أن يتبين السبب ثأر لصرخة الذلّ التي أطلقتها أمّه، ضرب به رأس عمرو بن هند ملك الحيرة فقتله ثم خرج فنادى: يا لتغلب،

فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء ولحقوا بالجزيره، ثم قال معلّقته الشهيرة.

أما العرب في حضارتهم فيسمعون شعباً يستغيث: «يا الله ما لنا غيرك يا الله»، ويشاهدون «صبية تقطّع رأساً وأطرافاً ويحرق وجهها وجسدها ويُسلخ جلدها»، فلا عرب ولا من يحزنون ولا من ينتخون لأنهم «يغطّون» في سباتهم التقليدي، ومع أنهم أهل صحراء، إلا أنهم ينامون نومة «الدبّ القطبي»!!

نقل لنا الرئيس الحصّ «أن الأحداث المؤلمة في سوريا انتهت»، نتمنى ذلك، ثمّة مثل شعبي سوريّ يقول: «قلّو: يا عيونو يا حواجبو؟ قلّو عالمغتسل بيبان»، وها هي جمعة جديدة أزفت اليوم وتحل في أول الأشهر الحرم، والنزيف السوري مستمر والعالم ما زال يمنح النظام مهلة تلو الأخرى، فبقاء النظام ضرورة إسرائيليّة ملحّة، إسرائيل لا تستطيع الاستمرار من دون الممانعة، لذا ليس في حسابات العالم بقاء الشعب السوري!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل