احتفلت كلية الآداب في جامعة الروح القدس – الكسليك بالتعاون مع اتحاد المترجمين العرب باليوم العالمي للترجمة، بمناسبة عيد القديس جيروم، شفيع المترجمين، في قاعة المحاضرات في الجامعة.
واستهّل الاحتفال بكلمة للدكتورة رانيا سلامة قدمت فيها نبذة عن حياة شفيع المترجمين القديس جيروم، ثم تطرقت إلى أهمية الترجمة كأداة تجمع بين مختلف الحضارات وتسمح لها بالتعايش والتفاعل مع بعضها البعض. وشددت على "أن أهمية الترجمة تكمن في الدفاع عن التنوع اللغوي والثقافي. إنها أداة لا غنى عنها للحوار وللحفاظ على تراثنا"، لافتة إلى "أن حاجز اللغة لم يعد موجودا، فالجسور التي تبنيها الترجمة تزيل كل العقبات لتخلق فسحة جديدة تعزز العلاقات ما بين مختلف الثقافات".
ثم تحدث نائب رئيس الجامعة وعميد كلية الآداب الأب البروفسور كرم رزق الذي اعتبر "أن الترجمة تشكل وسيلة مميزة للتواصل والتفاهم المتبادلين بين البشر والشعوب"، منوّها بهذا اللقاء الذي يتطابق تماما مع أهداف الجامعة ورسالة لبنان التاريخية. كما أكد "أن جامعة الروح القدس هي دوما حريصة على حماية ونشر مختلف الفنون والآداب والعلوم. وهي تفتخر بإنجازات أساتذتها وطلابها، خصوصاً في حقل الترجمة. ويشكل العدد الكبير من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه والأبحاث خير شاهد على هذه الشعلة الثقافية"، لافتا إلى السعي الدائم لتطوير الكلية وتوفير أفضل المناهج التعليمية القادرة على تلبية مختلف حاجات مجتمعنا وتطلعاته.
ثم بدأت الجلسة الأولى بمداخلة للبروفسور طانيوس نجيم الذي قارن في كلمته ما بين العولمة والترجمة. وقد خلص إلى "أن الترجمة تحقق تواصلا بين البشر يراعي الخصوصيات ويؤدي إلى اغتناء جميع الأفرقاء المعنيين به، بينما تحقق العولمة تواصلا لا يعدو كونه سيطرة فريق على جميع الآخرين وهيمنة نمط واحد على ما سواه بحيث يغلِب مصلحة هذا الفريق دونما أي اعتبار لمصالح الآخرين. الترجمة عولمة تغني شخصية الذين تنطلق منهم والذين يقومون بها ويتقبلونها". وتمنى نجيم في ختام مداخلته على أنصار العولمة "أن يستلهموا الفلسفة التي تعمل بها الترجمة وشروط المساواة التي توفرها لجميع المعنيين بها، ما ينشر ذهنية التوافق والاعتراف بالتنوع وقبول التغاير والاختلاف ضمن الوحدة الإنسانية الشاملة"، معتبرا أن "الترجمة تحقيق لتواصل حر يحترم الآخرين ويحفظ حقوقهم ويغني الإنسانية دونما استغلال أو قهر، ولا انسحاق أو إمحاء".
وتطرّق أمين سر اتحاد المترجمين العرب الدكتور بسام بركة إلى وضع الترجمة إلى العربية في الآونة الأخيرة من خلال الدراسة التي قام بها اتحاد المترجمين العرب حول الكتب المترجمة في دور النشر في بيروت خلال السنوات العشر الأخيرة. كما عرض لدور الترجمة في تطوير المعرفة والثقافة وذلك عبر تحديد المستويات اللغوية والإدراكية والإجتماعية التي تُسهم الأعمال المترجمة في بنائها وتطوير أدائها، وذلك انطلاقاً من تحديد جوانب التجديد التي يلاحظها المترجمون في حركة الترجمة في العالم العربي في بداية القرن الحادي والعشرين (إنشاء المراكز وتوزيع الجوائز). وأنهى مداخلته مؤكدا "أن الترجمة حلقة في سلسلة المعرفة التي تبني الثقافة، ولا بد من أن يدرك العرب ضرورة استعمالها وتوظيفها في هذا المضمار".
وانتهت الجلسة الأولى بمداخلة للدكتور طلال وهبة الذي ألقى كلمة تحت عنوان "منازل كانت وآتية، للكلمة التي حلّت بيننا"، تناول فيها أحد جوانب التجديد في ترجمة الكتاب المقدس، معتبراً أنه لا يدّعي القيام ببحث يشمل كلّ نصوص الكتاب، ولكن على العكس، اختار بعض الآيات ومزج بين تجربته الشخصيّة مع هذه النصوص وبين مبدأين عامّين يرتبطان بالعلاقة بين الترجمة وفكر المُترجِم والانتماء الثقافيّ للمُترجِم ومتلقي النصّ المترجَم. وأشار إلى "أن المبدأ الأوّل يقول إنّ الانتماء الاجتماعيّ للمُترجِم حاضر في ترجمته، وهذا الحضور أمر لا مفرّ منه، فيما يقول المبدأ الثاني إنّ حضور ثقافة الجماعة المتلقيّة في الترجمة الموجَّهة إليها، أمر مرغوب فيه". وقدّم أمثلة من ترجمات العهد الجديد تظهر تحكّم اللغة بالثقافة باعتبارها جزءا منها، لينتقل بعد ذلك إلى أمثلة تظهر تحكّم الانتماء الثقافي للمترجمين ومتلقي الترجمات بصياغة النص الإنجيلي المترجم. كما بيّن في مداخلته "ان الانتماء الثقافي والتاريخي للمترجم ولجمهوره عامل أساسي في الخيارات الترجميّة"، مؤكدا "أن الإشارة إلى العوامل الشخصيّة والاجتماعية والتاريخية والعقائدية التي تؤدي إلى إنتاج هذه الترجمة أو تلك، جزء من الموقف النقدي الذي أرى أن على المترجم أن يقفه من ترجمته ومن ترجمات الآخرين". ورأى وهبة "أن هذا التأثر بثقافة العصر أمر مشروع ومصدر غنى وحياة. فكلّ ترجمة جيّدة، أي تقوم بها هيئة متخصّصة مؤمنة انتدبتها جماعة من المؤمنين، هي تجلّ جديد للكلمة التي حلّت بيننا، ومصدر إغناء روحي وفكري لتجديد الإيمان".
أما الجلسة الثانية فبدأت بمداخلة للدكتور جورج كتورة الذي تحدّث عن "ترجمة ماكس فيبر إلى العربية" معتبرا "أنه يصعب في وقت محدد الإحاطة بماكس فيبر من جوانبه المتعددة" لذلك تحدث عن تجربته الخاصة التي صار لها من العمر إلى الآن سنتان وشهر واحد. وقال: "فأنا أكتشف، وأكتشف كل يوم أن التعامل مع ماكس فيبر أو أمثاله مشقة تتضاعف، ويصعب تجاوزها. حتى لو قررت الآن إنهاء العمل في مشروع ترجمته فأنا أقر، أني تعلمت أكثر مما ترجمت. وإذا كانت الترجمة، ما صدر منها وما قد يصدر، وهو كما سنرى قيد الإعداد سيكون ورقة، أو أوراقاً نتعلم منها، أو يتعلم منها الباحثون في اختصاصهم والمعتمون على العموم بمفكرين كبار، وقد لا يكون ماكس فيبر أكثر من واحد، متميز ربما، منهم". كما عرض كتورة للترجمات التي أنجزتها المنظمة العربية للترجمة لمؤلفات ماكس فيبر، مشددا في نهاية مداخلته "أن الترجمة هي أكثر من ضرورة".
ثم ألقت الدكتورة روزي غنّاج كلمة عنوانها "الترجمة بين التعلّم والتعليم" اعتبرت من خلالها أنه مع تطور تكنولوجيات الترجمة، أصبحت معظم النصوص المراد ترجمتها شبه جاهزة في ذاكرة برامج الترجمة. وأشارت غنّاج إلى أن ما يحتاج إليه المترجم اليوم هو مدّ البرنامج بالنص الأصلي لكي يحصل خلال ثوان على ترجمته، بعدها يبدأ بالتنقيح والتدقيّق والمراجعة ليصبح النص المترجَّم جاهزا في صيغته المطلوبة. كما أكّدت: "أنّه علينا أن نعترف بتراجع دور المترجم-الكاتب ونبدأ بالتعامل مع مناهجنا لتصبح جاهزة لتأهيل طلابنا لمواكبة تقنيات العصر. فالمراد الآن نقلة نوعية في كيفية التعامل مع الترجمة كمهنة والتعامل مع التغيير بإيجابية وإعادة النظر في مناهجنا وبرامجنا". وقدّمت غنّاج مقترحات تساهم في إعادة تكوين منهج تتكامل فيه الأهداف والتقييم والمواد التعلّمية والتعليمية بالإضافة إلى مهارات أخرى مثل إتقان الترجمة الالكترونية، التنقيح، التدقيق، والتعمق في اللغات التي يراد الترجمة منها وإليها.
وألقى المداخلة الأخيرة الدكتور جوزيف شريم وحملت عنوان "الترجمة: تغرّب أم تقارب ثقافيّ؟"، وقد استهلّها بالقول: "من المسلّم به أن الحقول الدلالية والخلفيات الثقافية لا تتطابق من لغة إلى أخرى، ولا يوجد بينها سوى بعض التعادلات. لذلك على المترجم، عند إنجاز مهمته، أن يعمل في الوقت عينه على اللغة المصدر واللغة الهدف، وكلتاهما مرتبطتان بإطار ثقافيّ وثيق الصلة بكلّ واحدة منهما، يتطلّب مهارات لا يمكن للمترجم التغاضي عنها. ندرك هكذا أن أحد شروط الترجمة هو "التحاور" بين لغة مصدر ولغة هدف، بين بيئة اجتماعية مصدر وبيئة اجتماعية هدف، بين ثقافة مصدر وثقافة هدف. وفي هذا التحاور المتوازن، أحد رهانات تقبل القارئ النتاج المترجم". كما تناول شريم في مداخلته مقومات وتجليات الثقافة في العمل الترجمي وكيفية تعامل كلّ من الكاتب-المؤلّف والمترجم وقارئ النصّ معها. وسلّط شريم الضوء على عمل المترجم، قائلا: " أما المترجم – ومن يعنينا هنا خصوصاً هو المترجم العربي – فيجتهد أوّلا في فهم اللغة الأجنبية بكلّ أبعادها الصرفية والنحوية والدلالية والأسلوبية البلاغية، وما تحمله من مضامين فكرية شاملة، كي يعمل على نقلها إلى لغته العربية". كما اعتبر "أن مشكلة المترجم العربي الأهم هي في استنباط المصطلح العربي".