
اتخذت قيادة قوى الأمن الداخلي في لبنان تدابير أمنية مشددة بناء لإلحاح منظمة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا "الإسكوا" أقفلت بموجبها جميع الطرق المؤدية إلى مبناها في الوسط التجاري لبيروت مقابل السراي الكبيرة مقر رئاسة الحكومة، ما تسبب بأزمة سير في المنطقة.
وعلمت صحيفة "الحياة" أن التدابير التي باشرت أمس وحدات من قوى الأمن الداخلي بتنفيذها جاءت بطلب رسمي من "الإسكوا" على خلفية مخاوف لديها من استهداف مبناها من دون الدخول في التفاصيل التي أملت عليها الطلب من الجهات الرسمية عزل المبنى ومنع عبور السيارات من أمامه ومن خلفه في الطريق الواقعة تحت السراي الكبيرة المؤدية إلى جسر سليم سلام الذي يشكل المعبر الرئيس للمسافرين عبر مطار رفيق الحريري الدولي.
ووفق المعلومات، فإن قيادة قوى الأمن الداخلي حاولت إقناع المسؤولين في "الإسكوا" بأن يصرفوا النظر عن إلحاحهم على إقفال جميع الطرق المؤدية إلى مبناها والاستعاضة عن هذا التدبير بمجموعة من الإجراءات الأمنية المشددة لحمايته من أي استهداف إرهابي.
إلا أن إلحاح "الإسكوا" على طلبها أدى إلى قطع الطرق المؤدية إليها وتحويل مرور السيارات إلى الطرق القريبة من المبنى على أن يصار بعد أسبوع إلى عقد اجتماع تقويمي يشارك فيه ضباط من قوى الأمن وآخرون من المسؤولين عن الحراس المولجين أمن المبنى وحمايته، خصوصاً أن "الإسكوا" كانت قامت منذ فترة طويلة بتشييد حائط يحمي القسم الخلفي منه في حال تعرضه إلى عملية انتحارية.
ولدى سؤال الدوائر الرسمية اللبنانية عن خلفية المخاوف التي دفعت مسؤولي «الإسكوا» إلى طلب إقفال الطرق أكدت أن لدى الأمم المتحدة تقديرات بوجود مخطط لاستهدافها ما استدعى أخذ الحيطة والحذر.
واكتفى مدير مركز الإعلام في الأمم المتحدة للبنان وسورية والأردن والكويت والإسكوا في بيروت، بهاء القوصي بإصدار بيان جاء فيه:
"في أعقاب الهجوم الذي تعرض له مقر الأمم المتحدة في أبوجا في نيجيريا في 26 آب، أمر أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون بإجراء استعراض شامل للترتيبات الأمنية الثابتة. ولذلك أجرت الأمم المتحدة وحكومة لبنان مناقشات حول أفضل السبل لمعالجة نقاط الضعف المحتملة. في هذا السياق، وعلى خلفية الهجومين الأخيرين بالقنابل ضد الـ"يونيفيل" في لبنان، تقرر في الوقت الراهن الحد من وجود الموظفين في بيت الأمم المتحدة أي مقر الإسكوا، وإلى حين تتم معالجة نقاط الضعف هذه".
الاجراءات "احترازية"
ورداً على سؤال لـ "الحياة" عما إذا كانت الأمم المتحدة أو "الإسكوا" تلقت تهديداً مباشراً أجاب: "لم نتلق تهديداً مباشراً لكن الإجراءات المتخذة احترازية بسبب ماحصل في أبوجا والتفجيرات ضد يونيفيل".
وأوضح رداً على سؤال أن إقفال الطرق هو من ضمن هذه الإجراءات. وقالت مصادر مطلعة إن ما أعلن عنــه القوصي بخصوص الحد من وجود المـــوظفين في المبنى يعني خفض العدد فيه إلى الحد الأدنى، بينما سيعمل باقي الموظفين من أماكن أخرى ومن منازلهم.
وعلمت "الحياة" من مصادر مواكبة لطلب الأمم المتحدة تكثيف الإجراءات الأمنية المشددة ورفعها إلى الدرجة القصوى أن هناك جملة من المعطيات أبرزها:
1 – إن مسؤولي الأمم المتحدة في بيروت كانوا اطلعوا منذ أسابيع على وثيقة صادرة عن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني وفيها معلومات عن قيام جهات "إرهابية" مجهولة الهوية بتفخيخ 10 سيارات لتفجيرها لاحقاً وأن واحدة منها جهزت لاستهداف مبنى "الإسكوا". مع الإشارة إلى أن هذه الوثيقة عممت على أركان الدولة وطرحت في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن المركزي برئاسة وزير الداخلية والبلديات مروان شربل.
وعلى رغم أن الوثيقة لم تتضمن أية تفاصيل عن هوية الجهة التي تقوم بتجهيز سيارات مفخخة لتفجيرها في أماكن عدة من لبنان ولا عن المكان الذي يتم فيه تجهيزها، فإن الحيطة مطلوبة لضمان حماية مبنى "الإسكوا" والعاملين فيه.
2 – إن الاعتداءات المتكررة التي تستهدف قوات "يونيفيل" العاملة في جنوب الليطاني وكان آخرها استهداف دورية تابعة للوحدة الفرنسية على الطريق المؤدية من صيدا إلى بيروت شكلت إنذاراً لاتخاذ المزيد من التدابير، مع أن قيادة الجيش اللبناني بالتنسيق مع قيادة القوات الدولية باشرت بعد أيام من وقوع هذا الاعتداء باتخاذ تدابير لحماية الطرق التي تسلكها "يونيفيل" سواء في الجنوب أم على الطريق المؤدية الى بيروت بما فيها المرتفعات المطلة عليها. وخصوصاً في المنطقة المحاذية لمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين.
لكن هذه الإجراءات على رغم أهميتها لم تبدد، كما تقول مصادر في الأمم المتحدة لـ"الحياة"، القلق من احتمال تكرار مسلسل الاعتداءات.
وتعزو المصادر السبب الى ان التحقيقات في الاعتداءات على "يونيفيل" لم تتوصل حتى الساعة الى تحديد هوية الجهة، مخططة كانت أم منفذة، مع أن كبار المسؤولين اللبنانيين وقيادة الجيش أبلغوا قيادة "يونيفيل" بأن هذه التحقيقات توصلت الى الإمساك بخيوط أمنية يمكن أن تقود إلى إلقاء القبض على الفاعلين وأن التقديرات الأولية تشير إلى ضلوع جهة فلسطينية في تنفيذها من دون أن تحدد هويتها.
وتؤكد المصادر نفسها أن حادثة خطف الإستونيين السبعة في المنطقة الصناعية في زحلة زادت من قلق قيادة «يونيفيل» من تكرار الاعتداءات لا سيما أن السلطات اللبنانية لم تكشف عن هوية الخاطفين مع ان إطلاقهم تم بعد مفاوضات «ماراثونية» توجت بدفع فدية مالية في مقابل إطلاقهم.
3 – ان الحوادث التي استهدفت أخيراً مكاتب الأمم المتحدة في نيجيريا والعاملين فيها كانت من الأسباب التي أدت الى تزايد الهواجس والمخاوف من ان تكون من ضمن مخطط يمكن أن يمتد إلى دول أخرى توجد فيها مكاتب لها ومن بينها لبنان.
شربل لـ"النهار": تبلغت ان موظفي الاسكوا قلقون جدا على وضعهم الامني…وقطر عرضت استضافة "الأسكوا"
مع توالي التأكيدات من مراجع سياسية وديبلوماسية ان ملف تمويل المحكمة الخاصة بلبنان وضع على نار حامية، تحدثت مصادر عن مؤشرات لعودة مسلسل تخويف البعثات الديبلوماسية الذي سبق للبنان أن عرفه في الثمانينات من القرن الماضي.
وفي هذا الاطار، برزت الى الواجهة التدابير التي اتخذتها أمس قوى الامن في محيط مبنى "الأسكوا" في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت، مع العلم أن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي سمع، لدى توليه رئاسة جلسة مجلس الامن الثلثاء الماضي في نيويورك، مداخلة لوكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية لين باسكو طالب فيها بحماية مبنى "الأسكوا" في لبنان.
وقال وزير الداخلية مروان شربل لـ"النهار" إنه خلال اجتماع له حديثا مع الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامس في حضور مسؤولة تابعة للأمم المتحدة "تبلغ من الاخيرة ان موظفي الاسكوا قلقون جدا على وضعهم الامني وخصوصا بعد عملية التفجير التي تعرض لها مبنى الأمم المتحدة في أبوجا بنيجيريا في 27 آب الماضي وأسفر عن سقوط 18 قتيلا. وهناك من الموظفين من قرر مغادرة لبنان. عندئذ رتبت لقاء بين وليامس وقائد سير بيروت في قوى الامن الداخلي العميد محمد الايوبي، فاتفق على البدء اليوم (أمس) باختبار اجراءات أمنية، فاذا ما نجحت واعتاد المواطنون سلوك طرق أخرى غير محيطة بالاسكوا عندئذ تعتمد نهائيا. اما اذا ولدت إرباكا في حركة المرور (وهذا ما حصل أمس) فإن هناك مجالا لإعادة تقييم الامور بعد خمسة أيام".
وعلمت "النهار" ان دولة قطر عرضت استضافة "الأسكوا" وتوفير الابنية والتسهيلات اللازمة لانتقالها من لبنان اليها.
ريفي لـ"الجمهورية": القوى الأمنية تعاطت مع المخاوف الاممية بجدية
زادت الهموم الأمنية همّا إضافيا بالإعلان عن سلسلة من الإجراءات الأمنية حول مقر منظمة "الأسكوا" التابعة للأمم المتحدة في وسط بيروت نتيجة كمّ من الهواجس الأمنية التي عبّر عنها مسؤولون امميون طالبين من الأجهزة الأمنية اتخاذ اقصى التدابير في محيطه.
وواكب هذا الطلب الأممي إجراءات ادت الى تغيب الموظفين غير الأساسيين عن مكاتبهم في مقر الأمم المتحدة الذي يتسع للعديد من المنظمات والهيئات الدولية.
وحضر الموظفون الساسيون الى الطوابق السفلى من المبنى. واوضح المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي لـ"الجمهورية" ان القوى الأمنية تعاطت مع المخاوف الاممية بجدية على رغم اننا لم نتلق اي معلومات سلبية او مقلقة من اي طرف آخر".
واضاف: "لقد تبلغنا من المراجع المعنية الدولية طلبا يستند الى مخاوف من عملية ما قد تستهدف مقرات الأمم المتحدة في المناطق الساخنة من العالم ولبنان ومحيطه من هذه المناطق بالمعايير الدولية، وفي اعتقادي ان العمليات التي استهدفت مقراتها في أبوجا وافغانستان يمكن ان تكون سببا في تعميم هذه الإجراءات الإحتياطية". واكد "اتخاذ التدابير اللازمة التي لا تنعكس سلبا على حركة السير في المنطقة، والاستمرار في هذه التدابير من ثلاثة ايام الى عشرة ايام حدا أقصى.