#dfp #adsense

أبعد من الأقليات والأكثريات الطائفية والإثنية

حجم الخط

استغرق كثيرون في حصر معاني الأقليات بما يسمى التنوع الإثني والمذهبي والطائفي، وتحييد الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية عنها. فاليوم، وبقدرة قادر طَفَتْ على السطح وتحديداً منذ اندلاع الثورات العربية على الطغاة ما يوحي وما يروّج وما يظهر وكأن مشكلة الأقليات والأكثريات في التعداد وفي الحصر "التجريدي" ولم تُعد سوى في الإتجاه الإعلامي الذي يريد أن يصوّر ان هذه الأقليات المذكورة (المسيحية، الدرزية، والكردية والشيعية والعلوية) تهددها الأكثريات الإسلامية (السنية) في العالم العربي. هذا ما روجت له أبواق الأنظمة التوتاليتارية الطغيانية التي اختزلت الشعوب نفسها، وبعائلاتها وأقاربها ومناطقها. وإذا كانت مسألة الأقليات قديمة بعمر الاستعمار وما تلاه من أنظمة ما بعد الاستقلال، وقيام الكيان الصهيوني، (وما كان يسمى المسألة الشرقية)، فإن هذا الطرح (ذا الامتدادات الكانتونية والتقسيمية)، أغفل، عمداً، دلالات واقعية (غير مُبتسَرَة) من المساحات الإنسانية والإجتماعية التي تتجسد في الصراعات الأبدية، بين أقلية تحكم وأكثرية تُحكم. فالأقلية الواضحة المفروضة هي الأنظمة التي تحتكر الرأسمال، والدولة والحكم وقوى الإنتاج، ومصادر الثروة والديموقراطية والحرية والسلطة والدولة والنفوذ. هي الأقلية الحقيقية التي تنتخب الأكثرية وتتجبر عليها وتهيمن على قراراتها وإراداتها وطموحاتها ومصائرها، سواء كانت إثنية أو دينية أو سياسية.إنه التركيز حصراً، اليوم، (ونحيل هنا على خطاب الأنظمة المنهارة، وأصواتها)، يُجرّد ويعزل القضايا الأساسية كالفقر والهجرة والتهجير عن مضامينها وحقائقها المعيشية، ومظالمها. فالأكثرية العددية الدينية ليست هي التي "تحكم" لا في سوريا ولا في مصر ولا في ليبيا ولا في اليمن ولا في الجزائر، بل على العكس، فهذه الأكثريات المسماة الدينية، سواء المنسجمة أو الموزعة، هي الفقراء أولاً وأخيراً، والمضطهدون وضحايا القمع وشهداء "الرأي" والمعتقلون والمحرم عليه التعبير بحرية، هم الذي وصفهم القذافي بالجرذان والكلاب، ووصفهم الإعلام السوري بالعصابات المسلحة، والنظام اليمني بالمجرمين والخارجين على القوانين. هم الذين ينزفون هجرة سرية أو غير سرية، في بلاد الله الواسعة بحثاً عن لقمة سرقتها الأقلية الحاكمة، وعن حرية صادرها الطغاة، وعن آمال اطفأها القمع، وعن حاجات سلبها اللصوص والأغنياء والعائلات المستبدة. صحيح أن ماركس حدّد تلك الفروق بالصراع الطبقي، (وصولاً إلى نظرية دكتاتورية البروليتاريا) وحددها سواه "بالفئات" الإجتماعية المتفاوتة، وآخر بالشرائح المستلبة.. وهذا صحيح إلى حد كبير لكن الصحيح أيضاً، أن الأنظمة الشمولية التي طرحت إما الإشتراكية (والمساواة) في توزيع الثروات، وإما الشيوعية المطلقة (الماركسية اللينينة)، او (الماوية)، أو التروتسكية (الثورة المستمرة أو الدائمة).. وصولاً إلى "الإشتراكيات العربية المقتبسة عن تلك التجارب، مروراً بدكتاتوريات أميركا اللاتينية، وبعض الظواهر الأفريقية، والآسيوية، هذه الأنظمة حولت رأسمال الدولة إلى رأسمال السلطة نفسها، وصادرت وسائل الإنتاج، وأحدثت شروخاً ومآسي جماعية (عشرة ملايين ضحية الخطة الزراعية الماوية) ناهيك عن مصادرة الحريات، وإقامة "الدولة" المستبدة ذات الحزب الواحد، والقائد الواحد، أي الأخ الأكبر وأحياناً الأب الأكبر! هذه التجارب الأوروبية تحديداً، والتي ميزت القرن العشرين حتى سقوط جدار برلين والإتحاد السوياتي ومعه "أحزابه" الشيوعية وصولاً إلى "فكرة" الإشتراكية نفسها التي التحقت بليبريالية معولمة (اليوم) (الحزب الإشتراكي الفرنسي اليوم، حزب "الفيلة" هو مجموعة "أغنياء" وذوو امتيازات أبعد ما يكون عن مشاكل الفقراء، والدليل مسألة دومينيك ستراوس المرشح "الأثيري للرئاسة الفرنسية السابق للحزب بغناه الفاحش وبوحشيته الطبقية والإثنية) هي التي ساعدت على هذا الاقرار المرعب بين ما يُسمى الشمال والجنوب، وصولاً إلى الكوارث التي نتجت عن أخطاء العولمة حيث تمركز الاقتصاد في المصارف، وفي أيدي قلة رأسمالية وفي الشركات (التي حلت محل الدولة) وما أدى إلى تفاقم مناحي الاستهلاك الجامح بقيمه الثقافية والسياسية والاجتماعية والانسانية. وصف الوضع بعضهم انه "موت الإنسان" و"موت الثقافة" و"موت الفن" وموت الطبقات العاملة، وقوى الإنتاج الفعلية، وصولاً إلى التاريخ!…

فمصطلح "الشمال والجنوب" أبعد من أن يكون محدداً بجماعات اثنية أو دينية خاصة (ولو كان الضرر في مناطق أكثر من أخرى)، وانما هو اقتصادي أولاً وأخيراً (يبدو ان أوروبا وعبر الأزمة اليونانية والفرنسية والإسبانية بدأت تغادر منطقة الشمال "البيضاء" إلى "الجنوب" مهددة بالإفلاس وبالكوارث الاقتصادية). وهذا العنصر الاقتصادي كأنه بدأ يلغي اليوم الفوارق بين الجنوب والشمال: العالم كله يخشى أن يصبح "جنوباً" جديداً (هذا بالإضافة إلى الكوارث البيئية والطبيعية والكونية التي أحدثها هذا الجنون الاقتصادي الاستثماري الليبرالي المتوحش). العالم كله اليوم مسكون بالخوف والرعب. كأنما أفلت من "مركزياته" ومن مفاصله ومن كوابحه ومن "ثوابته" التاريخية. "فالأقليات" الحاكمة وبصلف، وبجشع وبلا انسانية وبتوحش هي التي خربت الأرض والجو والإنسان. وهذا ما ينطبق على شعوبنا العربية. فالمسيحي المهمش لا يكون أقلية إلاّ من ضمن انتمائه إلى الأكثرية المهمشة. والشيعي المهدد لا يكون أقلية (بصفته المذهبية) إلاً من ضمن انتمائه إلى أكثرية مستغلة، محرومة، مثله. وكذلك الدرزي والكردي… فهؤلاء كلهم روّعتهم الأنظمة العائلية والحزبية الانقلابية. وكلهم كسواد أعظم عانوا حرمانهم من الكرامة، والحرية والعزة والديموقراطية والأمل والحدود الدنيا من التعبير عن هواجسهم، أو الاحتجاج، أو النقد، أو حتى المعارضة. كيف يكون مئات الملايين من الشعب العربي يشكون من أوضاعهم كأقلويين إذا كانت الأكثريات متساوية بما يشكون منه. وكيف يمكن الكلام على أقلية مذهبية أو اثنية عندما تكون السلطة كلها محصورة في أيدٍ معدودة من هذا الحزب أو هذه العائلة؟ بل كيف يمكن الكلام على أكثرية تهدّد "أقلية" بعد زوال الطغاة، وقد كان هؤلاء الطغاة هم "الأقلية" التي اضطهدت الجميع، تحت شعار 99.99% ؟ وكيف يمكن إفراز مثل هذه "التصنيفات" غير السياسية، عنما يتساوى الجميع بتسلط الأقلية الحاكمة، التي لم ينتجها هؤلاء ولم يكن لهم رأي لا في استمرارها ولا في ممارساتها! فهناك طغمة "أوليغارشية محدودة هي التي تدير كل شيء (بحماية أمنية وعسكرية)، مؤلفة من حفنة تجار أو مقاولين أو امنيين أو مستثمرين أو شركات أو عسكريين، تقتسم الثروات وتنتهش المليارات وتصادر المشاريع وتستثمر المصانع والوكالات، إلى درجة همشت فيها البورجوازية الوطنية (لمصلحة عائلية) والطبقة الوسطى، فتساوى إلى حد كبير في الإهمال والعجز كل الفئات، وكل الناس، من كُتاب، ومفكرين ومزارعين وعمال وفلاحين وموظفين وتجار أو اعلاميين، أي السواد الأعظم من الناس. أي الجسم الذي يحتضن البلاد كلها. من هنا يبدو الكلام على تهميش فئة دون أخرى، أو مذهب دون آخر، أو طبقة دون أخرى، وكأنه كلام مجافٍ للحقائق الموضوعية والإجتماعية، يصيب الكل يحوِّل الكل هوامشَ ونوافلَ. ولهذا عندما نرى اليوم ان هناك من يجاهر بمعادلات الأقليات والأكثريات، فلكي يذر الغبار في عيون، ويحول الأنظار عن الأقلية الحقيقية التي ألغت مجمل النتوءات في المجتمع، بل ألغت المجتمع نفسه، بما يتعدد أو يتوحد أو يختلف، وبما يؤثر، أو يعاني أو يصرخ. وهذا يعني كأن هؤلاء الذين يتهافتون. في مثل هذه التهديدات والهواجس اليوم، يريدون تبرئة الطغاة من ضرب مكونات الشعب، ويلصقون التهمة بأكثرية (إسلامية) لم تكن أكثرية. ولم تكن حاكمة ولا هي "صاغت" بالعنف مفهوم أن كل الشعب معطل، ومُصادر. والهدف غير خافٍ، اليوم، خصوصاً وأن "الصارخين" بمثل هذه المخاوف ينتمون إلى الطغاة، أو هم جزء منهم، سواء في مصر أو في سوريا أو في لبنان. ونستشف من كلام هؤلاء ما يوحي أن "مخاوفهم" هذه ليست سوى تهديد بحروب أهلية تؤدي إلى تقسيم المنطقة تقسيماً مذهبياً أو اثنياً. ونظن أن من يطلق مثل هذه "الإنذارات" ليس سوى الطغاة، باعتبار أنهم عندما اندلعت الثورات، انكشفت نقاط ضعفهم، وأظهرت ان 99,99 كانت تزويراً بتزوير، تزوير الإرادات الشعبية، ولأنهم باتوا معزولين، ووحيدين، ولم يتبق لهم سوى فلول أمنية وعسكرية، ها هم يلجأون إلى السلاح الأخير: الاحتماء بأقليات (طائفية) لإيجاد شروخ في مساحات الانتفاضة العارمة: لم يبق لهم سوى القتل والمجازر والسلاح والمتاجرة والمقامرة بمصير من "أفرزوهم" أقليات. أو وضع فئات من الشعب "مسلوخة" عن شروطها الإجتماعية والإنسانية مقابل أخرى تعاني المشاكل نفسها.

ونظن أن الكلام عن فتن "طائفية" وحروب أهلية، عندما تتأزم أمور هذه الأنظمة كلام ألفناه طويلاً، على امتداد نصف قرن من تعاقب الطغاة على الهيمنة على لبنان، فالتحذير من هذه الظواهر هو تهديد بها، وتعبئة وتهيئة ظروفها لإطالة انهيارهم وليس لإنقاذ حكمهم!

وإذا كان بعضهم قد انطلت عليه مثل هذه "الحيل" خصوصاً بعض الفئات فاننا نعجب كيف تروجها فئات يفترض انها واعية أو تتمتع بحس "إيماني" أو إنساني، كمثل البطريرك الراعي؟ لن نناقشه الآن، ولكن نسأل أتراه صار جزءاً من حملة النظام السوري الإعلامية، وجزءاً من تبعاته، وجزءاً من حملاته، وأضاليله، وجزءاً من انقلاب سلاح ولاية الفقيه؛ نقول أكثر: ألا يظن البطريرك الراعي ان خطابه هذا يساهم في احتمالات تحريض "الأكثريات" على "الأقليات" (التي يتكلم عنها) والأقليات على الأكثريات، بحيث يكون ما يتفوهه عاملاً من عوامل هجرة جديدة لمن يسميهم "أقليات" وخصوصاً المسيحيين. هل يكون شريكاً في استمرار نزف الهجرات التي كان من أسبابها هؤلاء الطغاة حلفاؤه السريون أو الظاهرون!

نتساءل لكي نقول: فات الأوان يا بطرك بكركي! صار الطغاة.. في المقلب الآخر من الثورات العربية. ذلك أن الثورات عندما تبدأ من الصعب أن تتراجع.. والطغاة عندما يتساقطون من الصعب أن ينهضوا أو ان يقدر أحد على استنهاضهم!

إنه خطاب قديم. جداً. خطاب البطرك، لأنه بكل بساطة ينتمي إلى زمن ولى، وطغاة يولون… وزمن جديد يطل بتباشيره الشعبية، من كل الاتجاهات!
الأقليات الحاكمة وَلت، وجاءت الأكثريات الثورية الجامعة، اكثريات الديموقراطية، والحرية، الأكثريات التي تكوّن صورة الأوطان الحقيقية وتعابيرها ومصائرها!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل