لم تأتِ جمعة الأمس في سوريا إلاّ لتأكيد المؤكّد: الذين خرجوا إلى الشوارع قبل سبعة أشهر لن يعودوا إلى ما كانوا عليه قبل 17 آذار الماضي. وسلّة المحاولات السلطوية لإجبارهم على ذلك صارت فاضية، بل هي كانت مخرومة من أساسها وزاد أهل السلطة في توسيع فتحاتها وتضييق الإقفال على مأزقهم.. بأيديهم.
ولم تكن السلطة في دمشق إلاّ على موعد مع أوهامها عندما قالت على لسان رئيسها لزوّاره اللبنانيين "انّ الحوادث انتهت"، أو هي في طريقها إلى الانتهاء.. ولم يتبقّ إلا منطقة واحدة (حمص) يجري العمل بدأب ناري على معالجة أوضاعها.. وكأنّ السوريين، على ما قال أحد أقطاب المعارضة أمس لإحدى الفضائيات العربية؛ يردّون تحديداً على تلك الأقاويل الجموحة، ويؤكدون مرّة أخرى أنّ النظام يعيش في أسر أوهامه.
.. والمأثرة (اللبنانية) الجديدة هذه، تُضاف إلى سلسلة مترابطة من "المآثر" التي ارتكبها النظام في حق نفسه، وأوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.. وهي في مجملها نتيجة توليفة مركّبة أنتجت سياسته المحلية والاقليمية واللبنانية، ولا تزال كما هي، تنتج مطبّات كل واحدة منها أكبر من سابقاتها: نظام طوى في طيّات أوهامه طموحات أكبر من حقائقه وأفقه واقتصاده وأمنه، فدفع الثمن.
.. إمبراطوريات عظيمة وكبيرة انتهت تحت وقع تلك الارتكابات، فيما ظلّ هو يفترض نفسه حالة استثنائية قائمة بذاتها.. دول أكبر وأهم وأخطر إنضبّت على نفسها فيما ظلّ هو فارداً جناحيه في كل اتجاه، مفترضاً أنّ ذلك التمدّد الخارجي هو أفضل درع واقية له، فسقط في أوّل حراك ثوري واقعي، رغم أنّ ذلك انطلق من زاوية قصيّة في بلد بعيد وعلى أيدي أضعف خلق الله أبو ربيع العرب، التونسي محمد البوعزيزي.
قيل سابقاً ويُقال راهناً ودائماً، إنّ أهل النظام في سوريا هم ألدّ أعدائه. افترضوا أنّ الجلوس في مقام الوقوف، والجمود في مقام التحرّك هو استراتيجية فاعلة وناجحة. بخّسوا من قيم الداخل لحساب الدور في الخارج. واعتقدوا أنّ هذا يعوّض عن ذاك، فانفجر المعطيان دفعة واحدة! وافترضوا أنّ حمل شعار المقاومة يعوّض عن ممارستها فعلياً، وأنّ تلبّس قيادة الممانعة يعوّض عن ضمور كل معاني الحرية الفردية والعامّة في بلدهم، وعن طمس الأزمات الخانقات التي يعانيها السوري على كل المستويات، من الاقتصاد إلى التعليم وما بينهما، وأنّ الأمن بعد ذلك، كفيل (ثقيل الوزن) بطمس كل نقطة ضعف، بل وتحويلها على ألسنة جلاوزة اللغة المحليين واللبنانيين إلى عامل قوّة يصبّ في خانة النظام وأهله الميامين!
.. شبيه في بعض نواحيه، وضع النظام السوري اليوم، بالوضع الذي كان عليه الاتحاد السوفياتي السابق عشيّة سقوطه. وخصوصاً لجهة البنيان العسكري والأمني الشديد البأس، الملازم لخواء في كل مُعطى آخر. اقتصادي واجتماعي وسياسي وتربوي. حيث أنّ منطق الأمور كان لا بد له أن يستقيم مهما طال الزمن، وهو ما حصل فعلاً: سقطت تلك الامبراطورية بفعل خللها الداخلي.. وتسقط في هذه الأيام التركيبة السورية وأيضاً بفعل خللها الداخلي أولاً وأساساً.
وما كان غير أهل النظام السوري ومذيعي بياناته ونشراته وخبريّاته ونظريّاته في لبنان أكثر من غيره، يتوقعون شيئاً آخر غير الذي جرى بالأمس في معظم أنحاء سوريا.. أما الأوهام فهي تلك التي حاولت القيادة السورية إخبارنا أنّها حقائق فولاذية.. وأخطأت مجدّداً