#dfp #adsense

من يقتل الاب، من يربح الثورة؟

حجم الخط

يبلغ بعض القراءات حول الثورات العربية حدّ السذاجة، بالاخص حين يتناول دور الغرب فيها. لكن اللافت الحقيقي، ان الغرب احسن قياس دوره واهميته عبر قياس حضور هذه الثورات في اجيال العرب، وفي قلوب العرب، وفقاً لاعتبارات ترتكز على معطيات الموقف وعلى حركة الشباب الرافض لواقعه المأزوم، ليس منذ زمن قليل، بل منذ زمن تراكم الاستعباد عبر صورة الديكتاتور-الاب الذي استولد اجيالاً كاملة على يديه بلغ بعضها الاربعين من عمره واكثر، ولم يتمكن من عيش مراهقته، او لم يزل في سنّ المراهقة. أجيال يتجسد لديها الجانب الآخر من الصورة الفرويدية للاب، الذي لا ينفك يغتصب أمهم (الارض- الرزق- القمع- الضغط- الاذلال حتى عبر الاستزلام…الخ) اغتصاب يومي قاهر وموجع وامني للأم-الأمة، والاجيال تشاهد عاجزة قاصرة مقهورة، بعضها يثور فيُضرب، وبعضها الآخر يثور فيُعطب، وبعضها الثالث يستسلم ويتعلّم من دروس سواه بصمت مطبق.

اليوم، خرجت الامور من عقالها، خروج المارد من القمقم، واستحال ابو القاسم الشابي حقيقة شبابية لا تسرق الاحلام من عيون اجيال، او تختصرها في جلباب قائد، انما تتجه محمّلة بمفردات سعدالله ونّوس وعمر ابو ريشة، ومنادية بما يخجِّل الغرب المافيوي المتآمر على ارزاقها، بسلمية المواجهة!

هذه الشعوب -التي نحن بعضها- والموسومة بعار التخلّف، وبعروبة التقهقر، تأبى اللجوء الى القوة والعنف، وتنادي بسلمية تحركاتها انما حتى اشعارٍ آخر، ولن يدفعها الى العنف الا ادغال الاباء المتحجرين في سجون الاصرار على السيطرة، او طغيان العنف بغية الامعان في تشويه صورة العرب، وتحويل الغرب حصاناً منقذاً.. وأبيض.

الثورة لن تتوقف؛ ليس نتيجة دعم غربي، انما نتيجة حتمية طبيعية لمؤاخاة الاجيال الرافضة لسلطة الاب المرهقة في وجه مراهقتها المتأخرة، او سطوة الاب-الديكتاتور القاتلة لنضوجها غير المكتمل.

الثورة لن تتوقف؛ لان علاجها يحتاج الى مؤتمر لعلم النفس قبل أي مؤتمر لأي معارضة، بغية معالجة الامراض التي صنعها فايروس الديكتاتورية، واطاحت بهذا العالم، قلب العالم والحضارة، واباحت ثرواته لاحتكار الاب-الديكتاتور وزبانيته، وللغرب الذي غضّ الطرف عنه ليشاركه في النهب وفي السلب.

الثورة لن تتوقف؛ لان من يصنعها هم اجيال خائرة من الجوع واليأس، ولكن ثائرة في وجه الجوع واليأس، وتقول في نفسها:"لا بأس، النهاية واحدة"!

الثورة لن تتوقف؛ لكن اي حريص على امته، يحرص على وقف الاعتداء عليها واغتصابها واشعال نار الحقد في روح ابنائها، بل يسعى الى اعادة انتاج السلطة فيها، كما يعيد الاب الصالح انتاج ادارة منزله.

الثورة لن تتوقف حتماً، وهذه المرة لن تربح اسرائيل، ولن يكون لها ربح، مع استثناء واحد: العرب اهل كرمٍ وبذخ، وعادةً.. ما يهدون انتصاراتهم!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل