لم تأتِ المناقشات التي شهدها الاجتماع المفصليّ لمجلس المطارنة الموارنة إلّا لتؤكّد على أنّ كلّ المواقف التي أطلقها البطريرك بشارة الراعي من باريس الى بعلبك كانت خلافيّة حتى داخل الجسم الكنَسيّ، وهي أحدثت صدمة أنتجت صحوة لدى بعض المطارنة الذين أنقذوا الكنيسة من مسؤوليّة صدور بيان أعدّه البطريرك بهدف إظهار أنّ مجلس المطارنة يؤيّد كلّ ما أطلقه من مواقف.
وبدا من خلال النقاش بين المطارنة أنّ مواقف البطريرك حظيت بأكبر نسبة من الاعتراض في شكلها ومضمونها وتوقيتها، وساهم هذا النقاش في إفراغ بيان البطريرك من كلّ مضامينه الخلافية وأبقى في الوقت نفسه على وحدة الخطاب الكنَسي والالتفاف حول البطريرك، ولكن ليس على طريقة التأييد غير المشروط، وبالبطبع سيشكّل ما جرى نموذجا مستقبليّا في تعامل هذا الجسم مع ما سيصدر عن رأس الكنيسة لجهة ما يمكن قبوله وما لا يمكن السير به.
وبالإضافة الى ما نشر عن مضمون اجتماع مجلس المطارنة فإنّ نماذج من النقاش أعطت مؤشّرا واضحا على انّ ما كان يجري في مجلس المطارنة ايّام بطريركية صفير لن يكون ساريا مع الراعي الذي وجد صعوبة في إصدار بيان يشبه عباءة التأييد المطلق.
من بعض هذه النماذج الواضحة الدلالات على سبيل المثال لا الحصر يمكن إيراد الآتي:
مطران سبق أن تولّى مسؤوليّات إعلاميّة طلب الحديث خلال البحث في التنظيم الداخليّ لبكركي وقال: تلقيت عدّة شكاوى من إعلاميّين ومسؤولين مسيحيّين وموارنة في وسائل إعلاميّة عن وجود مجموعة من الإعلاميّين المنتمين الى وجهة سياسيّة محدّدة تدّعي صفة "مستشاري البطريرك". وذكروا بأنّ كلّا من …(سمّى أسماء إعلاميّي 8 آذار) يقولون إنّ البطريركية استدعتهم ليكونوا مستشارين إعلاميّين. نحن نعرف أنّ الأستاذ وليد غياض وهو المسؤول الإعلامي في بكركي. فهل صحيح وجود مثل هذه المجموعة؟ وإذا كان ذلك صحيحا فأنا لا أنكر على البطريرك حقّه في إحاطة نفسه بمن يريد، ولكن ألفت الانتباه الى أنّ وجود مثل هذه المجموعة التي لها رأي سياسيّ واحد ومحدّد تعبّر عنه في كتاباتها ومواقفها من شأنه أن يصوّر البطريركيّة وكأنّها طرف سياسيّ. في وقت تسعون الى جمع القادة المسيحيّين من مختلف التوجّهات السياسية. إنّ تعريف هذه المجموعة عن نفسها بأنّها لجنة إعلاميّة استشارية للبطريرك يثير حساسيّات من واجبنا معالجتها.
وردّ البطريرك الراعي: هذه المجموعة موجودة ولكن أضيفت إليها أسماء أخرى من بينها (سمّى أسماء إعلاميين من 14 آذار) وهم من توجّهات سياسية مختلفة. ولست أنا من طلب حضورها، وإنّما هي أعربت عن رغبتها في التعبير عن رأيها للمطران صياح الذي اصطحب المجموعة. وأنا وصلتني اعتراضات وعلى هذا الأساس أوقفت الاجتماعات مع هذه المجموعة.
وقال مطران مستقيل: أنا لست ضدّ زيارة البطريرك الى بعلبك الهرمل والجنوب. وهذه المناطق أعرفها جيّدا وتولّيت رعاية بعضها لفترة. ولكن في الشكل أعتقد أنّ الأحزاب والتيّارات السياسية الغالبة في هذه المنطقة استغلّت الزيارة على نحو لم تستفد منه البطريركية المارونية ولا رعيتها. لقد أعطينا من دون أن نأخذ. على الأقلّ كان يفترض أن نستعيد حقوقنا الوقفية في لاسا. وأن ننتزع تعهّدا بعدم شراء أراضي المسيحيّين في الجنوب. وبوقف التمدّد في الضاحية الجنوبية وبعبدا.
ثمّ إنّ ما أزعجني في البقاع قولكم يا غبطة البطريرك بأنّكم ستكونون صدى للإمام موسى الصدر. والبطريرك الماروني اعتاد أن يكون الآخرون صدى له ولمواقفه. وقد فُسّر موقفكم بأنّه تأييد لشعار "السلاح زينة الرجال". أعرف تماما أنّكم لم تقصدوا ذلك ولكن هذا لا يمنع أنّهم استغلّوا ذلك.
وفي الجنوب لاحظت عبارة أهلا بكم في جنوب المقاومة، وكأنّ فريقا سياسيّا يريد تفسير زيارتكم على أنّها اعتراف بهويّة سياسية واحدة للجنوب. واعتقد أنّه كان من الضروري أن تثيروا خلال الزيارة مشكلة أبنائنا الذين أجبروا على الهجرة الى إسرائيل. من واجبنا العمل على تبنّي قضيّتهم والعمل على إعادتهم الى أرضهم ووطنهم بعد إحدى عشرة سنة على تهجيرهم.
وقال مطران حاليّ: هناك تململ في الأوساط السنّية في المناطق التي أتولّى رعايتها. القيادات السنّية تشكو من تفريق بينها وبين القيادات الشيعيّة. وقد سمعنا الرئيس فؤاد السنيورة يشكو من عدم تلبيتكم دعوة آل الحريري الى مجدليون في حين لبّيتم دعوة الشيخ محمد يزبك الى العشاء ودعوة الرئيس نبيه برّي الى الغداء.
– قاطعه الراعي: لا يمكن أن نفتح الباب على هذه الدعوات وإلّا ندخل في متاهات لا تنتهي. على كلّ حال أنا سارعت الى معالجة الشكاوى بالدعوة الى قمّة روحيّة، اقترحت أن تكون في دار الفتوى. وبالتالي فقد ساويت بين السنّة والشيعة. أمّا دعوة برّي الى الغداء فكانت تلبية لدعوة رئيس مجلس النوّاب في حضور رئيس الجمهورية.
وقال مطران من جبل لبنان: لقد انعقدت قمّة روحيّة في بكركي قبل أسابيع. وصدر عنها بيان يشدّد على مرجعية الدولة في استكمال تحرير الأرض والدفاع عن لبنان. واعترض عليها الشيخ عبد الأمير قبلان بعد صدور البيان لأنّنا تمسّكنا بعدم التعديل في البيان لناحية الإشارة الى دور المقاومة. فما الذي تغيّر؟ ولماذا تراجعنا وصرنا ننقل وجهة نظر حزب الله. إنّ من شأن هذه التقلّبات أن تربك شعبنا وأن تظهرنا في موقع من يتعرّض للضغوط ومن يرضخ لها. وهذا يفتح الباب على مزيد من الضغط علينا للحصول منّا على مزيد من التنازلات على حساب قناعاتنا وخطّنا التاريخي ومصالح المسيحيّين ومنطق الدولة.
وبعد، فإنّ المجال لا يتّسع لنشر حجم الاعتراضات وما أدّت اليه، لكن اجتماع المطارنة نجح في حضور الكاردينال الصامت بتصيحح مواقف باريس وبعلبك.