#dfp #adsense

منطق ميشال شيحا “كلّنا أقليات” أدق تسفيه لـ “حلف الأقليات”

حجم الخط

ليسَ هناكَ أدقّ وأبلغ من ميشال شيحا في تسفيه الابتذال المسمّى "حلف أقليّات"، وبالذات لأنّ شيحا الذي كان نائباً عن "مقعد الأقليّات" في بيروت في العشرينات من القرن الماضي ما كان بمقدوره أن ينكر مفهوم الأقليّات أبداً، بل اعتمده وجعله في أصل التعريف المزدوج للبنان كـ"بلاد أقلّيات مشتركة" من ناحية، وكـ"ملاذ للحرّيات" من ناحية أخرى.

فشيحا لم يعتمد أبداً المنطق الرائج حالياً في "مجتمع 14 آذار" والذي يقول بأنّ "لا أقليّات ولا أكثريّات"، لكن هناك أسباباً قويّة تدفع الى الاعتقاد بأنّ التعريف المزدوج عند شيحا للبنان كبلاد أقليّات مشتركة وملاذ حرّيات أكثر قدرة على الإحاطة بالواقع التعدّدي من ناحية، وعلى نسف "حلف الأقليّات" المفتعل حالياً لأجل حماية النظام الفئويّ الدمويّ في سوريا.

بدلاً من التجريد القائل "لا أقليّات ولا أكثريّات" قال شيحا ما معناه بأنّه في إطار الكيانيّة اللبنانية "كلّنا أقلّيات" تكبر أو تصغر. ليس هناك بين الجماعات الدينية الثقافية اللبنانية المعاد إنتاجها كـ"طوائف" سياسيّة في إطار الدولة اللبنانية إلا أقليّات. وأي "أكثريّة" يمكنها أن تتشكّل على هذا الصعيد تنشأ بالضرورة عن تحالف "الأكثريّات في أقليّات" بعينها مع "أقليّات الأقليّات" في الطوائف الأخرى، وبالتالي فإنّها بالضرورة "أكثريّة مركّبة".

بل إنّه وفقاً لمقولة "لبنان بلاد أقلّيات مشتركة" يصير شرط استكمال بناء الكيانية اللبنانية هو وعي كل الجماعات اللبنانية، ولو بالتتابع، أنّها جميعها أقليّات، وأنّ احتسابها لنفسها كأكثريّات أو ذعرها من سواها يرجع إلى اعتماد منظار غير كيانيّ.

فأن تكون كيانيّاً لبنانيّاً يعني أن تدرك أن الجماعة التي تنتمي إليها تشكّل أقلّية وأن الجماعات اللبنانية جميعها هي أقلّيات، وهذا يستلزم الإقلاع عن احتساب أي جماعة كامتداد لأكثريّة ترتسم معالمها "في ما وراء البحار" أو "في ما وراء الحدود". فليس من السويّة أبداً أن تشعر جماعة بأنّها "أكثريّة" بحجّة انتسابها إلى "أكثريّة" محدّدة بمقاييس عالمية، أو بمقاييس إقليميّة، فضلاً عن مقياس "الطفرة الديموغرافية" قياساً على الجماعات الأخرى.

بالتالي فإنّ كل جماعة لا بدّ وأن تمرّ بمخاض حيويّ عسير كي تدرك في خاتمة المطاف هذين المفتاحين الكيانيين الأساسيين: أنّها أقليّات، وأن الجماعات الأخرى هي أقليّات أخرى. وهذه الجماعة ما أن تدرك ذلك حتى تدرك أيضاً أنه لا يمكنها أن تكون أبداً جماعة تتبنى الكيانية اللبنانية وتقفل بابها على نفسها، فهذه الجماعة المحدّدة دينياً ثقافياً، ثم المؤطّرة كطائفة سياسيّة، تضمّ أيضاً أمزجة متعدّدة داخلها، وفي التعدّد تفاوت، وأكثريّة وأقليّة، وعلاقات مركّبة بين أكثرية هذه الطائفة وأكثريّة أو أقليّة تلك الطائفة وهكذا. فمقولة "لبنان بلاد أقليات مشتركة" لا تعني أبداً أنّه بلد "ملل مغلقة مجاورة لبعضها البعض". ففي نموذج "الملّة" لا يمكن أن تكون "الحياة الداخلية" للجماعة إلا مغلقة إلى حد كبير بوجه "الحياة الداخلية" للجماعة المقابلة. أمّا في نموذج "الطائفة" فإنّ الحياة الداخلية للجماعة لا يمكن أن تجيء مغلقة، إنّما مرتبطة بأشكال متعدّدة ومتغيّرة مع الحياة الداخلية في الجماعة أو الجماعات الأخرى.

من هنا يبرز فكر ميشال شيحا كنقض صارم لكافة المقولات المروّجة حاليّاً لـ"حلف الأقليّات" (= حلف أكلة لحوم البشر). فحلف الأقليّات يقوم على قاعدة أنّ ثمّة "أكثريّة دينية ثقافية إقليميّة" وثمّة أقليّات مواجهة لها، وبالتالي هو حلف يقوم قبل أي شيء آخر على إلغاء الكيانية اللبنانية. في حين أن تعميم شيحا صفة الأقليّة على كلّ الجماعات اللبنانية، يكرّس بل يجذّر شرط الكيانية اللبنانية. الأقليّة عنده لا تتحدّد بإزاء أكثرية، إنّما في إطار مجموعة أقليّات مشتركة.

ثم أنّ حلف الأقليّات يقوم على مبدأ استبداد "متسيّد" بالأقليّة التي ينتمي إليها، وجعلها أقليّة مقفلة في حياتها الداخلية، ليس فقط بإزاء ما يعتبر أنّه "الأكثرية" بل أيضاً تجاه "الأقليّات" الأخرى المفترض أنّها منخرطة في الحلف. أمّا عند شيحا فهذه الأقليات "مشتركة" أي بالضرورة "مفتوحة" على بعضها البعض من خلال التداخل بين العلاقات السياسية التي تفرز أقليّات وأكثريّات سياسية في كلّ منها، كما على الصعد الائتلافية في وجوهها المختلفة.

لكن الأهمّ من كلّ ذلك أنّ تعريف شيحا للبنان مزدوج كما قلنا: بلد أقليات مشتركة، وملاذ حريّات. هذا في حين أنّ "حلف الأقليّات" بالشكل الذي يروّج حالياً يقوم على دعامتين إثنتين: نظام فئويّ "قوميّ" يرتكب جرائم ضدّ الإنسانية ضدّ شعب بأكمله، وحزب فئويّ ظلاميّ يهدّد "شركاءه في الوطن" (كما تقول العبارة الخشبية اللبنانية) باستخدام السلاح في الداخل صبحاً ومساء. ومهما ادّعى من ادّعى بعد ذلك، وثرثر من ثرثر، فإنّ من يدّعي أنّه دعامة ثالثة لهكذا حلف لا يمكنه أن يكون كذلك، لأنّه خلافاً للدعامتين المذكورتين، لا يملك السلاح، وكل ما يملكه هو بيع حصّته في تاريخ صناعة الكيانية اللبنانية بثمن بخس.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل