التفهّم الدولي لا يبرّر التساهل مع الحكومة
تشديد الرقابة المصرفية تحوّطاً للأخطار
عاد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من نيويورك حيث خاطب المجتمع الدولي للمرة الاولى في حياته بصفته رئيسا للحكومة بكل ما تمثل من مكونات، وناطقا باسمها وملتزما بالتزاماتها، كما اوحت الانطباعات بعد لقاءاته مع المسؤولين الدوليين وما عكسته المواقف المحلية منها.
وبعودته، استعادت الملفات سخونتها مع استئناف النشاط السياسي اعتبارا من هذا الاسبوع وانعقاد جلسة لمجلس الوزراء الاربعاء تحضر فيها الاجوبة المرتقبة لميقاتي حول نتائج زيارته الاممية والاسئلة التي طرحت عليه والالتزامات التي تعهدها، ولا سيما في الملفين الاكثر حضورا واستحقاقا: تنفيذ القرارين1701 و1757 والموقف من الوضع في سوريا.
وتعزو مصادر واكبت الزيارة لـ" النهار" فترة السماح الدولية التي حظي بها لبنان انطلاقا من التزامات رئيس حكومته المعلنة من على اعلى منبر دولي وتجاه الادارة الاميركية، الى ان البلاد لا تشكل أولوية اليوم على الاجندة الدولية، من دون ان يعني ذلك انها لن تكون تحت المجهر الدولي "عندما تحين ساعتها"، تبعا لتطور الوضع السوري من جهة ولتنبه القوى اللبنانية لعدم التورط في رماله المتحركة من جهة اخرى، وخصوصا ان الرقابة الدولية ستزداد تشددا على لبنان في حال بدا انه خرق الحصار الاميركي والاوروبي المفروض على النظام السوري وفتح ثغرة تشكل متنفسا اقتصاديا وماليا له.
وتؤكد المصادر ان ما سمعه رئيس الحكومة من قلق اميركي في هذا الشأن على المستوى السياسي في نيويورك، طرح بشكل اكثر جدية في محادثات السلطات المالية والنقدية في واشنطن على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين. فعلى الاهمية والأولوية التي خصصتها تلك الاجتماعات للأزمتين الاوروبية والاميركية، واللتين تقدمتا على الربيع العربي (الذي احتل اولويات مناقشات اجتماعات الربيع ونظر في الدعم الدولي له)، فان السلطات الاميركية والدولية شددت على ضرورة اتخاذ القطاع المصرفي اللبناني كل اجراءات الحيطة والحذر من التورط في اي عمليات مصرفية لمصلحة اي من الشخصيات السورية الخاضعة للعقوبات او الموضوع على اللائحة السوداء، وصولا الى حظر التعامل مع اي شخصيات او شركات مشكوك فيها.
والواقع ان المصارف اللبنانية (وتلك الموجودة في سوريا) كانت بدأت منذ اندلاع الثورة السورية باتخاذ اجراءات رقابة ذاتية تلتزم فيها التعاميم والمعايير المفروضة من المصرف المركزي، فنأت بمؤسساتها عن اي مخاطرة. وتعززت اجراءاتها الرقابية اساسا بعد انهيار البنك اللبناني – الكندي – وان لاسباب ومعايير مختلفة – حتى بلغ الامر بالمصارف حد الامتناع عن فتح اي حسابات لزبائن لا يتمتعون بثقة كاملة. وكانت الاتصالات التي اعقبت ازمة اللبناني الكندي بين السلطات النقدية والادارة الاميركية اسفرت عن توافق على عدم تكرار تلك التجربة لجهة اعلان قرار بوقف التعامل مع مصرف لبناني قبل ابلاغ السلطة النقدية. ومن شأن توافق كهذا ان يتيح هامش تحرك لمصرف لبنان واجهزة الرقابة ومكافحة التبييض عند استشعار اي خطر او شك قبل صدور اي حكم اعدام في حق اي مصرف.
وعلمت "النهار" ان رئيس الحكومة كان اوعز بالتخلي عن حصة مجموعته في احد اكبر المصارف اللبنانية (الذي اشترى تلك الحصة) وذلك في اطار حرصه على منع اي استغلال لمساهمة كهذه في الضغط السياسي، وخصوصا اذا ارتفعت وتيرة الضغط كما هو حاصل حاليا.
ولا يخفي الوسط المصرفي في المقابل خشيته من الاوضاع في سوريا بعدما اصبح الوقت عاملا ضاغطا على الداخل السوري ان مع تنامي الحصار الاميركي والاوروبي المفروض او نتيجة الاجراءات الاستباقية او الاحتياطية التي يتخذها النظام لتأمين الاكتفاء الذاتي وآخرها قرار وقف الاستيراد الذي جاء وفق خبراء متسرعا وغير مدروس النتائج.
المحكمة والتمويل
وفيما يحضر ملف تمويل المحكمة هذا الاسبوع ووضع رئيس الحكومة داخليا امام التزاماته الخارجية، فان مصادر سياسية أكدت لـ"النهار" ان الملف مرشح للتأجيل والمماطلة في ظل عاملين:
– ان المخارج المطروحة للتمويل من خارج الحكومة وعبر مجلس النواب تفاديا لاحراج "حزب الله" وحلفائه، ستقابل بالرفض من المعارضة التي تتمسك بأن يكون معبر التمويل الحكومة اولا قبل اللجوء الى الخيارات الاخرى، على قاعدة ان الحكومة التزمت وعليها تنفيذ التزامها فعلا لا قولا. اما اذا تخلفت، فعندئذ تتحرك المعارضة على مستوى المجلس وانما على قاعدة اعتبار الحكومة ساقطة سياسيا.
– ان الوقت لتسديد لبنان حصته من التمويل لم ينفد بعد ولا يزال هناك متسع حتى نهاية السنة الجارية (في ظل التفهم الدولي لتأخر لبنان اصلا عن التسديد عند استحقاق ذلك بداية السنة). وسيكون الوقت الفاصل عن موعد التسديد كافيا لفتح النقاش حول عمل المحكمة وتقويم ادائها داخليا، كما سيكون كافيا امام المحكمة نفسها للتقدم خطوات اضافية في سياق عملها وبلورة قراراتها الاتهامية.
ولأن كل تطور في لبنان سيكون حكما رهنا بتطور المشهد السوري، فالاشهر الثلاثة المقبلة مرشحة لأن "يخلق الله فيها ما لا تعلمون". فعلام العجلة؟