كتبت مرلين وهبة في صحيفة "الجمهوريّة":
ترى أوساط سياسية مراقبة أنّ أولويّة حزب الّله لم تعد إسقاط المحكمة الدّوليّة خلافا لما بدت عليه في السّابق، في حين يتركّز اهتمامه على تسيير عمل الحكومة، ما يشكّل تحوّلا في استراتيجيته، إذ أدرك أنّ بقاء هذه الحكومة يساعده على تنفيذ مشروعه الكبير والشّامل في المنطقة. وهذا الأمر يمكن قراءته في جولات وصولات رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي نراه يفكّ عزلته الدّوليّة وتحديدًا الأميركيّة من دون الرّجوع إلى الطرف الّذي سمّاه رئيسًا لهذه الحكومة! ومن هنا يُطرح السّؤال الكبير في ظلّ التحوّلات العربيّة الكبيرة: ما هي أولويّة "حزب الله"، الحكومة أم المحكمة؟
حبَيش
عضو كتلة "المستقبل" النّائب هادي حبيش قال "إننا نسمع من مصادر التيّار الوطنيّ الحرّ وحزب الّله أنّ مسألة التّمويل لن تمرّ في الحكومة". وتساءل عن المخارج المنويّ اتّباعها لتحقيق مسألة التّمويل، خصوصا أنّ تمريرها بموجب مرسوم يعتبر مخالفة، وما إذا كان في الإمكان أن تمرّر عبر مجلس الوزراء أو في مجلس النوّاب ضمن اقتراح قانون. وأكّد أنّ "مسألة تمويل المحكمة بالنّسبة إلى حزب الّله هو أمر أساسيّ حتّى لو اعتبره البعض ليس كذلك". واعتبر "أنّ بقاء الحكومة بالنّسبة إلى حزب الّله له إيجابيّات عدّة نظرًا لما يحصل في سوريا، إذ إنّ الأخيرة حريصة على وجود حكومة في لبنان تنفّذ لها كلّ رغباتها ومصالحها، غير أنّ أولويّة حزب الّله تبقى إسقاط المحكمة".
وأضاف: "إذا رأى حزب الّله أنّ مسألة التّمويل لن تؤدّي إلى نتيجة بالنسبة إلى وقف عمل المحكمة، فقد يذهب في اتّجاه إيجاد مخرج معيّن في مجلس النوَّاب. أمّا إذا تأكّد أنّ في إمكانه وقف عمل المحكمة من خلال إسقاط الحكومة أو ما يسمّى تعديل البروتوكول، عندئذ تكون المحكمة بالنّسبة إليه أولويّة".
وأشار حبَيش إلى أنّ "حكم المحكمة هو فقط الأساسيّ بالنسبة إلى حزب الّله، من دون التقليل من أهمّية تطلّعه إلى إحكام قبضته على مفاصل الحكم في لبنان، ولكن ليس على حساب وقف عمل المحكمة، فالمحكمة الدوليّة أساسيّة وأولويّة الأوليّات، وبالتالي إذا استطاع الحزب وقف عملها من خلال الحكومة، يكون بذلك قد ضرب عصفورين بحجر واحد. المسألة ليست أبيض أو أسود، فهناك عدّة مصالح تتلاقى من خلال بقاء الحكومة، فعدم تجديد البروتوكول مثلاً سيؤدّي إلى وقف عمل المحكمة، وسيكون هذا الأمر بالنسبة اليه أمرًا مهمًّا". وأوضح أنّه "إذا سقطت المحكمة بسبب تعديل البروتوكول سيُسقط الحزب الحكومة، ولكن إذا لم يتمكّن البروتوكول الجديد المنويّ تعديله من وقف عمل المحكمة فإنّ الحزب سيبقي على الحكومة عِلما أنّ هناك اجتهادات كثيرة حول هذا الموضوع، فلبنان إن لم يجدّد بروتوكول المحكمة، فهذا لا يعني أنّ عمل المحكمة سيتوقّف". وأكّد حبيش "أنّ هذا الأمر في يد الأمم المتّحدة، فهي قادرة على معاودة إصدار قرار بتجديد عمل المحكمة مثلما فعلت في المرّة السّابقة من دون موافقة الدّولة الّلبنانيّة، وذلك عندما تعرقلت الأمور الدّستوريّة في لبنان". وقال: " في حال عدم الاتّفاق كالعادة بين الأفرقاء على العودة إلى الأطر الدستوريّة لتعديل البروتوكول تعود الأمم المتّحدة الى دورها وتجدّد للمحكمة لثلاث سنوات إضافيّة". وختم: "إنّ المحكمة الدّوليّة أساسيّة بالنّسبة الى حزب الّله، وبقاء الحكومة أولويّة تكتيكيّة لتساعده على تنفيذ مخطّطه الهادف الى إسقاط المحكمة".
حبيب
وبدوره، عضو كتلة "المستقبل" النّائب خضر حبيب قال لـ"الجمهوريّة": "قد يكون الحديث عن أولويّات حزب الّله مبالغًا فيه لأنّ الحزب حتّى الآن لم يُختَبر جدّيا في ما خصّ المفاضلة بين الحكومة أو المحكمة، فلا يمكن البناء على مشكلة الكهرباء لأنّها تفصيل بسيط لدى الحزب، كما أنّها لم تكن تعنيه مباشرة، بل تعني حليفه ميشال عون. ولكن في حال أصبح التمويل أمرا واقعا، فإنّ الحزب سيعمد إلى تمرير التمويل في جلسة سيقاطعها وزراء الشيعة، حزب الله وحركة "أمل"، ومن ثمّ سيعود القرار إلى الحكومة.
وبهذه الطريقة سيكون في استطاعة الحزب أن يقول إنّ التمويل غير شرعيّ لأن الحكومة كانت فاقدة للشرعيّة، كما فعل في الماضي حين أقرّت المحكمة".
واعتبر حبيب "أنّ الحزب سيكرّر ما سبق وقام به، ويكون بالتالي قد هرب من مأزق حكوميّ، ولن يتعاون مع المحكمة، وهذا ما كان أعلنه على لسان أمينه العامّ… هي سياسة العصا والجزرة والهروب إلى الامام، وهذا دأبه. وبالتالي فإنّه سيضمن بهذه الطريقة نقض شرعيّة المحكمة والحفاظ على حكومته، كما لن يكون هناك إشكال بينه وبين النظام السوري".
وختم حبيب: "لا يمكن ان ننتظر من الذين يقدّسون المتّهمين سياسة أفضل وأرقى من هذه السياسة".
قزّي
أمّا نائب رئيس حزب الكتائب سجعان قزّي فكان له رأي مخالف للنّائب حبيش، فقال: "إنّ مشروع حزب الّله ليس المحكمة فقط إنّما الحكم والسّلطة، وهدفه هو تسلّم الحكم في البلاد، والمحكمة عنصر ورد في إطار مسيرته نحو السّلطة. لذلك أخّر هذا العامل بدء الهيمنة المطلقة والمطبقة". وأكّد "أنّ لدى الحزب اليوم اولويّة سياسية هي إبقاء الحكومة، وأولويّة قضائيّة هي الإفلات من العدالة والعقاب". ورأى "أنّ التّساهل حيال المحكمة هو شكليّ". وأشار الى "أنّ هناك عمليّة تمويه تجري، وهي محاولة إيهام الرّأي العام بأنّ التزام المحكمة هو تمويلها، ولكنّ التّمويل هو آخر همّ لدى المحكمة لأنّ الحكومة إذا رفضت التّمويل فهناك المؤسّسات الدّوليّة والدّول الضّامنة الّتي أنشأت المحكمة وستموّلها". وقال: "إنّ الأمر الأساسيّ والمهمّ في موضوع المحكمة هو المجرمون، والأساس هو القبض على المتّهمين، وفي هذه الأمور الأساسيّة ليس هناك التزام لدى الحكومة ولدى الّذي شكّلها، فليس هناك أيّ احترام أو تنسيق، ومن هنا لا ينبغي أن نهلّل بقرار الحكومة ونرحّب به لأنّها وافقت على تمويل المحكمة، ولا يجب أن نعلّق أيّ أهمّية على قضيّة التّمويل لأنّ المحكمة هي عدالة وليست مالاً، ونحن نتمنّى، بل نتحدّى الحكومة أن لا تموّل حتّى تعلم مدى انعكاس هذا الأمر على المجتمع الدّوليّ".
ورأى قزّي "أنّ وضع حزب الّله الحالي هو الحاكم والحكَم، والدّليل أنّه لا يفجّر الوضع الآن في لبنان، فلماذا يفجّر الوضع وهو حاكم البلد؟". وأوضح "أنّ الإنسان يفجّر عادة كي يحكم، ولكنّ الحزب الحاكم حكَمَ وانتهى. ففي عام 2006 نفّذ الاعتصام في وسط العاصمة، وأسقط الحكومة، وأغلق المجلس النيابيّ، ودخل بيروت وافتعل حوادث 7 أيّار، وهدّد جنبلاط، ودخل إلى الشّوف وعاليه، وتسلّم الحكم، فلماذا يريد اليوم أن يخسر هذا الحكم؟". وختم: "أنّ حزب الّله توصّل إلى ما خطّط له، ويقول لميقاتي "تَسَلَّ" بقضيّة التّمويل، ويلهي الشّعب الّلبنانيّ عن الموضوع الأساسيّ من المحكمة ألا وهو المحاكمة والاقتصاص من القاتل".
عطا الله
ومن جهته عضو الأمانة العامّة لقوى 14 آذار النّائب السّابق الياس عطا الّله، قال: "إنّ حزب الّله ظاهريًّا يحاول التّعطيل، ولكنّه يعلم ضمنيّا أنّه لا يستطيع تجميد المحكمة، لذا هو ثائر ومحرَج في آن معًا، وهو ليس قلقًا من المحكمة لأنّه مُحتاط ولن يدعها تتمكّن من القبض على المتّهمين المنتمين إلى صفوفه، والذي أراح الحزب أكثر أنّ الحكومة اللبنانيّة صرّحت أنّها ليست قادرة على القبض على المتّهمين، ولكن على ما يبدو، وفي مراجعات داخليّة أجراها، وبتقييم حزبويّ جديد وبحسب المستجدّات، يعتقد أنّ أولويّته المستجدّة هي بقاؤه في الحكومة، لأنّه أدرك صعوبة المرحلة المقبلة، ويحاول التّفتيش عن الغطاء الّذي يحمي وجوده لمواجهة تعقيدات المرحلة المقبلة".
ولا يعتقد عطا الله أنّ هدف حزب الله هو الانتخابات، "فموضوعه في لبنان هو أكبر من قضيّة انتخابات. فهو يحاول إقناع نفسه والعمل على بناء موقع متميّز له بمعزل عن النّظام السّوريّ، والعمل على إيجاد صيغة ما ليتملّص من انعكاسات تدهور النّظام السّوريّ على صلابته، وقد أدرك أنّ بقاءه في الحكومة أساسيّ ليتمكّن من بلوغ هذا الموقع". وقال: "إن زوال الحكم السّوريّ يدفع حزب الّله إلى العمل على الاستعاضة عنه بقوّة يستمدّها باستخدامه الواجهة الحكوميّة، لأنّ الحكومة يقتصر دورها على الجانب الدّيبلوماسيّ والسّلطة الشّكليّة في الدّاخل، بينما السّلطة الفعليّة في الدّاخل إذا أردنا حسبانها من جهة السّيادة على أرض الواقع ليست في يد السّلطة والمؤسّسات، وهذا موضوع يجب التّفكير فيه مليًّا وعدم الاستعجال بالاستنتاج، وأعتقد أنّ استراتيجيّة حزب الّله المقبلة هي البقاء في الحكومة على الرغم من إدراكه أنّ مشاركته في هذه الحكومة تشكّل له إحراجات، ولكن القول الآن، وفي الأوضاع الرّاهنة، أنّ بقاءه في الحكومة لا يهمّه، فهذا أمر غير صحيح".
ولاحظ عطاالّله: "أنّ الحزب يسعى اليوم الى إيجاد معادلة تمكّنه من التمسّك بموقفه، ومن ناحية أخرى يسمح للحكومة بأن تبقى، فبقاء المحكمة أو عدمه تجاوز الموقف اللبنانيّ، إذ لم يعد موقف لبنان مؤثّرا في هذا الموضوع، بل هو مؤثّر في جعل المجتمع الدّوليّ يرى مدى قدرة لبنان على الانضواء تحت الشّرعيّة الدّوليّة".
ويقول عطا الله "إنّ السّؤال المهمّ الذي يطرح نفسه هو: هل لدى حزب الّله حسابات لِما بعد النّظام السّوريّ؟" في اعتقادي أنّه توجد مؤشرات على هذا النّوع من الحسابات تتطلّب توقّفًا لقراءتها، وخصوصا أنّ هناك نوعاً من الضّبابيّة بثوابت مواقع كانت تشكّل السدّ المنيع في وجه الجهة المواجهة لحزب الّله".
وعن دور حزب الّله في الحكومة، أكّد عطا الّله "أنّ الحزب واعٍ لهذا الدّور المهمّ الّذي ينوي استخدامه". وأشار الى "أنّ المعارضة ليست لديها رؤية واضحة وجازمة حول مشروع حزب الّله في إدارة الحكومة، وهي في صدد التّدقيق في هذا الموضوع الذي طرحته للمناقشة من أجل إيجاد الوسائل للعمل على منع استغلال حزب الّله للسّلطة الّلبنانيّة للوصول إلى هدفه غير المعلن، فهو أوكل مهمّة الإخراج العالميّ لميقاتي لأنّ الأمر يناسبه. أمّا وظيفة الحكومة الدّاخليّة فهي لحزب الّله".