ولا تستبعد الأوساط المعارضة نفسها ان يكون الدافع وراء الدعوة لوقف الكلام حول موضوع تمويل المحكمة وايعاز رئيس الحكومة للمقربين منه إخراجه من التداول السياسي، هو إما انتفاء الحاجة السياسية للحديث عنه في الوقت الحاضر بعدما وصل الكلام فيه الى ذروته خلال انعقاد الدورة العادية للامم المتحدة، وقد استوجبت هذه المناسبة الدولية وزيارة الرئيس ميقاتي لهذا المنبر الدولي الأهم في العالم والمؤثر في مسارات العديد من الازمات المعقدة والخطيرة في كل انحاء الارض ومنها لبنان، اسماع المسؤولين عن المنظمة الدولية المعنية بملاحقة وتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الامن الدولي ومنها القرار المتعلق بإنشاء المحكمة الدولية، إبداء استعداد الحكومة اللبنانية للايفاء بالتزاماتها الدولية وعلى رأسها تمويل المحكمة الدولية وكل ما يترتب عنها من التجاوب المطلوب منها في التعاون، لتفادي أي مساءلة او ملامة يمكن ان تتعرض لها الحكومة الحالية، في الوقت الذي تجهد فيه بكل ما اوتيت من إمكانات لتبديد الانطباعات التي تكونت لدى الخارج، بأنها حكومة من صنيعة <حزب الله> وتعمل وفق شروطه واملاءاته السياسية والمصلحية المنبثقة عن التحالف السوري الايراني في المنطقة كلها وهي ليست كذلك على الاطلاق ومنفتحة على التعاون مع المجتمع الدولي، وإما لأن ما طرحه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي امام مجلس الامن وفي الامم المتحدة، لا يعبر عن توجهات ومبادئ <حزب الله> الذي أمَّن له السبيل والاكثرية الجديدة بقوة سلاح <المقاومة> ولا يحظى بتغطيته وموافقته على مثل هذه الخطوة المهمة التي تفرد باتخاذها دون مشاورة الحزب، لا من قريب او بعيد، ولذلك تم تعميم إخراج هذا الموضوع من التداول السياسي، بعد عودة الرئيس ميقاتي من الولايات المتحدة الاميركية مباشرة· ولكن بالرغم من هذا التعميم، تعتبر الاوساط المعارضة، انه لا يمكن للرئيس ميقاتي، ولا أي طرف سياسي في الحكومة الحالية مهما قوي جانبه، ان يخرج موضوع تمويل المحكمة الدولية من التداول السياسي في هذه المرحلة بالذات، اولاً لأن استحقاق التمويل بدأ يدق الابواب بقوة ويمكن تأجيل البت به لأسابيع معدودة تحت ذرائع ملتوية ولكن في النهاية هناك مواعيد محددة لا يمكن تخطيها، لأن الحكومة ستكون مسؤولة بشكل مباشر، أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي على حدٍّ سواء عن أسباب عدم البتّ بهذه المسألة المهمّة، وثانياً، لأن رئيسي الجمهورية والحكومة تعهّدا أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة بالتزام تنفيذ تمويل المحكمة انطلاقاً من التزام لبنان بتنفيذ كل القرارات الدولية، وثالثاً لأن الحكومة ستعرّض نفسها لمساءلة صعبة ولإنتقاد مؤثّر من قبل المعارضة وأكثرية الشعب اللبناني الذي يؤيّد استمرار المحكمة لكشف مرتكبي الجرائم الارهابية التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الرموز والشخصيات الوطنية الأخرى، وستتهم بأنها تضم في صفوفها وزراء وجهات تدعم المشتبه بهم في ارتكاب هذه الجرائم وتعمل من خلال الامتناع عن تنفيذ تمويل المحكمة الدولية بدعم هذه الجهات لإخفاء الحقائق ومنع ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم ومحاكمتهم·
وتخلص الأوساط المعارضة المذكورة إلى القول، أنه مهما كان الأسلوب الذي يتبعه رئيس الحكومة في التعاطي مع موضوع تمويل المحكمة وكيفية مقاربته، فإن الوقت يمر بسرعة، وفي النهاية، لا بد وأن تنكشف السياسة التي يتبعها في هذا الخصوص، وعندها سيتبيّن إذا كان سيلتزم تعهداته أمام مجلس الأمن بتمويل المحكمة، أياً كان المخرج المتاح لتنفيذ هذا التعهّد حكومياً بموافقة مجلس الوزراء أو من خارجه، أم سيتنصّل من كل تعهداته ويمتنع عن تنفيذها رضوخاً لمشيئة النظام السوري و<حزب الله> على حدٍّ سواء، لأنه ليس في مصلحة الجهتين معاً، استمرار المحكمة الدولية التي عملا معاً وسوياً ويداً بيد منذ ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحتى اليوم، لمنعها من القيام بالمهمات المطلوبة منها في كشف الحقيقة وملاحقة مرتكبي هذه الجريمة·
