كتب طارق حسون: في عددها الصادر يوم الإثنين 3 تشرين الأول 2011 نشرت جريدة الأخبار مقالة للصحافي يحيى دبوق بعنوان "اسرائيل وسلاح حزب الله…وجعجع"، ضمنّها الكاتب جملة مغالطاتٍ، عبّر عنها بأسلوبٍ "ساخرٍ هزلي"، بما اشعر كل قارىءٍ يطمح لقيام دولة فعلية في لبنان، بالقرف والإشمئزاز، عوض أن يُضحكه. وعليه يهمّنا إيضاح الآتي:
إن استخفاف الصحافي يحيى دبوق، بهواجس اللبنانيين المشروعة، ورغبتهم العارمة بتسليم كل سلاحٍ غير شرعي الى الدولة اللبنانية، والتي عبّر عنها الدكتور سمير جعجع في خطابه الأخير، هو قمّة السخرية بمصالح اللبنانيين، وأمنهم، واستقرارهم، ولقمة عيشهم. وكأني بالصحافي دبوق يضع اللبنانيين امام خيارين لا ثالث لهما: إمّا العيش في ذمّة سلاحٍ غير شرعي الى ما لا نهاية، وإمّا، "فليلطموا رأسهم بالحائط"، لأن هذا السلاح يعلو ولا يُعلى عليه، وهو باقٍ الى الأبد، رغماً عن أنوفهم، ورغماً عن مستلزمات الحياة الديمقراطية البرلمانية في لبنان، ورغماً عن متطلبّات قيام الدولة الفعلية بأوجهها كافةً.
وبما ان الصحافي دبوق كان المبادر الأول الى استحضار "مجلس شورى حزب الله" من خلال الحديث عن نقاشاتٍ تدور بداخله، بين الداعين الى الإذعان لمطالب جعجع بتسليم سلاح "حزب الله"، وبين الرافضين للإذعان. وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فحبّذا لو ان دبوق لم يكن يتهكّم ويهذي في أحلام يقظته، وكان صادقاً فعلاً في معلوماته، وانهى مقالته ببشرى سارّة ازفّها الى اللبنانيين، تحمل خبر "إتخّاذ مجلس شورى حزب الله، في ختام اجتماعه هذا، قراراً جريئاً بالتخلّي عن سلاح حزب الله، وتسليم كل المتهمين بتنفيذ الإغتيالات، والطلب من الحكومة السورية تسهيل ترسيم حدودها مع لبنان". فكم كان وقع هذا الخبر ليكون بمثابة حلمٍ وردي جميل يتحقق لدى اللبنانيين!! وكم كانت فرحتنا لتكون اعظم، لو ان كاتب المقال عقّب على هذه البشرى متفاخراً، وليس ساخراً، بالقول: "لم يتخّذ مجلس الشورى هذا القرار إذعاناً لإرادة جعجع، وإنما نزولاً عند رغبة اللبنانيين بقيام دولةٍ فعلية في لبنان"…ولكن، لا حياة لمن تُنادي…
إن الدعوة التي وجهها الدكتور جعجع الى حزب الله بتسليم سلاحه، هي في الحقيقة حلمٌ لا يراود جعجع فحسب، وإنما كل اللبنانيين الأحرار الذين يتوقون الى الأمن والسلام والاستقرار في وطنهم…إنه الحلم بأن يعيش اطفالنا استقراراً، وأمناً وسلاماً، لا يُعكّره 7 ايار من هنا، ومقتل الضابط سامر حنا من هناك، وتفجيرات، وإغتيالات، ومتهمون مُحصنّون من هنالك…فهل المطلوب ايضاً، حرماننا الحلم بمستقبل افضل لنا، ولأجيالنا اللاحقة؟؟
وبعد… إذا كان الصحافي دبوق يعتبر ان "نزع سلاح حزب الله" وقيام الدولة الفعلية هو حلمٌ لا يمكن تحقيقه، فإن بقاء سلاح حزب الله، هو بالمقابل، الكابوس الجاثم على صدور اللبنانيين، بحدّ عينه.
ثم إذا كان حزب الله مُصمماً على الإحتفاظ بالسلاح الى ما لا نهاية، بحسب ما يؤكّد عليه الصحافي دبوق في مقالته، فلماذا وافق اصلاً على مبدأ المشاركة في طاولة الحوار التي انعقدت بدعوةٍ من الرئيس برّي تحديداً، والتي قامت أساساً من اجل البحث في آلية استيعاب هذا السلاح، وتسليمه الى الدولة اللبنانية؟
اكثر من ذلك، لماذا وافق حزب الله، ومعه الرئيس برّي، على القرار 1701، الذي يُشدد في مندرجاته على تسليم سلاح الميليشيات كله الى الدولة اللبنانية، ويفرض رقابةً على تصدير السلاح الى تلك الميليشيات؟…
مهما يكن من أمر، فإن مقاومة إسرائيل، من حيث المبدأ، تفترض توجيه السلاح باتجاه اسرائيل حصراً…وبالتالي فما العلاقة بين "مقاومة" إسرائيل، وبين الذي جرى في 7 ايار، وعائشة بكار، وما علاقة "مقاومة" اسرائيل، بمقتل الشاب جورج ابو ماضي في عين الرمانة مثلاً، وبإطلاق النار على الجيش في الشياح، وبتشييد الآف الأبنية المخالفة على املاك الأوقاف وعلى أملاك الغير… وبإيواء متّهمين بقتل قياداتٍ، ومواطنين لبنانيين، الخ الخ؟؟ كم من الجرائم تُرتكب بإسم "المقاومة"!!!
لا شكّ، ان كاتب المقالة الذي حاول التعامي عن كل التحوّلات الكبرى التي تمرّ بها المنطقة العربية، أراد بالمقابل تقزيم "الربيع العربي"، وتسخيره خدمةً لمصلحة أنظمة ومنظمّات، تتناقض في بنيتها وعقيدتها وسلوكها، مع المبادئ والأهداف، التي حتّمت بالأساس تفتّح هذا "الربيع العربي"… واصلاً، هل يوافقنا كاتب المقالة، على تسمية ثورة الشعوب العربية، بـ "الربيع العربي"، ام هي بنظره "مؤامرة اميركية صهيونية"؟؟!!
من هنا نبدأ، لنقول، إن عقيدة حزب الله التي تنشد قيام دولة دينية يكون لبنان جزءا منها، بحسب ما يؤكد عليه البيان التأسيسي الأول لحزب الله، تتناقض بالأساس مع مبادئ وشعارات "الربيع العربي" التي تنادي بالدولة المدنية، الديمقراطية، العصرية… وذلك إن دل على شيء، فعلى وجود إختلافٍ بنيوي ومبدئي بين المشروعين… وبالتالي فإن إنتصار مشروع "الربيع العربي"، يستتبعه تلقائياً أفول مشروع حزب الله وراعييه الإقليميين، والعكس صحيح ايضاً…
هذا من حيث المبدأ، امّا على ارض الواقع، فإن مسار التاريخ، ومعه كل الدلائل، تُشير، الى ان "الربيع العربي" صار في طور تفتحّه النهائي، في مقابل غروب أنظمة القمع والإستبداد، التي تلفظ انفاسها الأخيرة هذه الأيام…
ابعد من ذلك، ولئن اعتبر الصحافي دبوق ضمناً، ان انتصار الثورة العربية، هو إنتصارٌ لخطّ الثورة الإيرانية في المنطقة، فلماذا يُقابل حزب الله ثورة الشعب السوري بهذه الدرجة من العدائية إذاً؟ ولماذا تُنشئ ايران شبكات تجسس داخل مصر الثورة، كان آخرها في ايار 2011 حين القت السلطات المصرية القبض على الدبلوماسي الإيراني قاسم الحسيني بعد تجنيده شبكات عملاء مصريين، واستقدامه الات تقنية حديثة بغية التجسّس على الأجهزة الأمنية المصرية، بحسب ما ذكرت وكالات الأنباء بتاريخ 30 ايار 2011.
اكثر وأكثر، ولمزيدٍ من إنعاش ذاكرة الصحافي دبوق، نُحيله الى بيان "المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية" الصادر بتاريخ 4 نيسان 2011، والذي يُعبّر في جوهره عن رؤية الشعب المصري بأكمله، كونه يصدر عن الممثل الشرعي للثورة المصرية، وفي هذا البيان تشديدٌ على "انه لن يتولّى مصر خميني آخر"، وأن "مصر الغد لن تكون إلاّ دولة عصرية تتمتع بالديمقراطية الكاملة"…فأين نقطة التقاطع بين مشروع حزب الله وراعييه الإقليميين، وبين مشاريع التطوّر، والعصرنة، والديمقراطية، التي تنادي بها ثورة الشعوب العربية؟
إن هذه الوقائع، جاءت كلّها لتؤكّد، ان دعوة الدكتور جعجع لم تأتِ من فراغ، وإنما هي تعبيرٌ عن موقفٍ مبدئي اولاً، وترجمةٌ لقراءةٍ متأنية لصيرورة التاريخ ومسار التحولاّت الكبرى التي تشهدها منطقتنا العربية، والتي لن تصب، بأي حالٍ من الأحوال، في مصلحة حزب الله، ولا في مصلحة راعييه الإقليميين…وإنما في مصلحة الديمقراطية، والحرية والكرامة الإنسانية..
وفي الختام نتوجّه الى الصحافي يحيى دبوق بالقول، إن من ينشد الأفضل، وخدمة المُثل الُعليا التي يؤمن بها، كالحرية، والديمقراطية، وقيام الدولة الفعلية، على غرار الدكتور جعجع ومعه غالبية اللبنانيين، هو الحالم الفعلي، الذي يسعى بكل ما اؤتي من قدرة الى تحقيق هذه الأحلام، على الرغم من كل العقبات التي تعترضها حتى الآن… امّا الذين يقرأون التاريخ بطريقةٍ مغلوطةٍ وإنتقائية، ويحاولون قسرياً حرفه عن مساره الطبيعي خدمةً لديكتاتوريات غابرة، فهم البائسون، والرجعيون، والمُغرّدون في قفص أوهامهم…