
لماذا تحشر سوريا نفسها اقتصاديا في عنق زجاجة؟ وهل اللجوء الى سياسة الانغلاق بعد جهود لأعوام في اتجاه تحرير الاسواق سيحمي النظام من مفاعيل العقوبات الدولية الاقتصادية في الشكل والسياسية في الجوهر؟
لا شك ان تردي المؤشرات الاقتصادية والمالية في سوريا منذ اندلاع الاضطرابات قبل سبعة اشهر تقريبا بات ينظر اليه على انه العامل الحاسم في سبيل اسقاط النظام، بحيث يحقق الحصار المالي والاقتصادي ما عجزت عنه الثورة.
فسوريا التي تعاملت ببرودة مع العقوبات الاوروبية والاميركية بشكل خاص على قاعدة قدرة اقتصادها على الاستغناء عن التعاملات بالدولار الاميركي ( باعتبار ان الادارة الاميركية حظرت التعامل المصرفي مع شخصيات وشركات عائدة الى النظام واصدرت لائحة سوداء بهؤلاء) او الاستغناء عن واردات من الكماليات ( معظمها السيارات) تشكل نحو 25 في المئة من مجموع البضائع التي يشملها قرار تعليق الاستيراد الصادر اخيرا، بدأت تتلمس الارتدادات السلبية على وضعها الاقتصادي الداخلي الناجم عن العقوبات في أكثر من مجال:
فالعقوبات الاوروبية حظرت استيراد النفط السوري وقلصت امكانات تصديره بعدما توقفت شركات التأمين العالمية عن تأمين بواخر النقل. والمعلوم ان سوريا تنتج نحو 400 الف برميل من النفط الخام يصدر منه 150 الفا، فيما يخصص الباقي للاستهلاك المحلي وانما بعد تكريره في الخارج، وهو لا يغطي مستوردات البلاد من المشتقات النفطية. وفيما توقع وزير النفط السوري سفيان علاو قبل يومين ان تبلغ عائدات التصدير السنة المقبلة مليارين ونصف مليار دولار، فان خبراء يقدرون عائدات النفط بنحو 4 مليارات دولار سنويا تعود مباشرة الى النظام. وفي حين تتطلع دمشق الى فتح اسواق جديدة مثل روسيا والصين اللتين تقفان الى جانبها في منع فرض اي عقوبات دولية تصدر عن مجلس الامن، فان مثل هذه الاسواق تتطلب انشاء امدادات وتجهيزات تحتاج الى وقت لتنفيذها علما ان النفط السوري لا يتلاءم من جهة اخرى مع المعايير المعتمدة في هذه الدول.
ان قرار تعليق الاستيراد الذي هدف الى حماية الاحتياط الاجنبي لسوريا والبالغ وفق حاكم المصرف المركزي السوري اديب ميالة نحو 17 مليار دولار، انعكس سلبا على سوريا وعلى الدول المصدرة اليها من خارج منظومة العقوبات. ويأتي هذا القرار ليغطي النقص الناجم عن وقف دخول النقد الاجنبي الى سوريا من عائدات النفط وليخفف فاتورة التسديد بالدولار، اذ يقدر ميالة ان يتم توفير نحو 6 مليارات دولار منها 4،5 مليارات من استيراد السيارات. لكن الواقع الذي يخفيه هذا القرار بحسب خبراء انه يغطي القيمة الفعلية لليرة السورية التي شهدت تراجعا منذ اندلاع الحوادث.
– يمكن سوريا ان تعوض الحظر على تعاملاتها بالدولار بالخيارات البديلة التي تسعى الى اللجوء اليها عبر تنويع مصادر استيرادها وتصديرها وعملاتها، لكن المخاوف الحقيقية تكمن في احتمال لجوء الاتحاد الاوروبي الى فرض حظر على التعاملات بالاورو، مما سيضيق الخناق أكثر على الاقتصاد السوري.
وتتردد معلومات في الاوساط المصرفية ان ثمة اتجاها لدى القيادة السورية لاجراء تغيير على مستوى حاكمية المصرف المركزي، عززها عدم توجه مياله الى واشنطن للمشاركة في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، ليس لعدم حصوله على تأشيرة وانما بسبب قرار داخلي بذلك.
لبنان والعقوبات
ولا تقلل اوساط مصرفية محلية من أهمية الانعكاسات المحتملة على لبنان من جراء تنامي العقوبات على سوريا وعدم نجاح اقتصادها ونظامها في التأقلم معها، على غرار ما نجم عن قرار تعليق الاستيراد وارتداداته على حركة التصدير اللبنانية اليها، باعتبار ان حجم الصادرات اللبنانية زاد اخيرا ليقارب 221 مليون دولار في نهاية 2010، مقابل 339 مليونا حجم الاستيراد اللبناني من سوريا وفق الاحصاءات الرسمية. وينطبق القرار السوري على نحو 5 في المئة من مجموع التصدير اللبناني، وقدر رئيس جمعية الصناعييين نعمت افرام الخسائر المترتبة حتى الآن بـ300 مليون دولار، علما ان مصادر صناعية استبعدت امكان احصاء حجم الخسائر، اذ ان حجم التبادل البيني يختلف تماما عن الحجم الحقيقي من خارج الفوترة الرسمية ( وهو أكبر بكثير!)
وقوبل طلب وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس استثناء لبنان من القرار السوري من السلطات السورية بطلب استمهالها أسبوعاً لتقويم قرارها.
يذكر ان القرار يخالف الاتفاقات الموقعة بين البلدين. ويعتقد وزير السياحة فادي عبود ردا على "النهار" ان مثل هذا القرار يجب الا يطبق بوجود اتفاق ثنائي، داعيا الى التنبه لاخطاره لأن الصادرات السورية الى لبنان والتعامل بالمثل سيضر بسوريا، متمنيا أن يبقى ضمن الضوابط والاتفاقات المرعية بين البلدين.
واذا كان القطاع المصرفي نجح في حماية نفسه من اخطار العقوبات على سوريا ونأى عن اي عمليات مصرفية بالدولار منشأها سوري او مرتبطة بسوريين (باعتبار ان العقوبات لا تغفل المرتبطين في حيثياتها)، واذا كان المصرف المركزي ينأى عن اي تسهيلات في هذا الشأن للمصارف او للمصرف المركزي السوري، فان قرار تعليق الاستيراد قد يكون له ايجابية واحدة تتمثل في رأي صناعيين في فتح السوق اللبنانية امام استيراد سوريا علما ان اي متنفس يشكله لبنان لسوريا سيعاقب عليه.
لكن مصدر القلق الحقيقي يبقى ان التزام رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تنفيذ اي قرار دولي بعقوبات على سوريا قد يلاقي ارتياح الغرب لتنفيذ لبنان التزاماته، ولكنه قد يعرض لبنان للمعاقبة سوريا، وهي الرئة البرية التي يتنفس منها اذا لم يبحث عن بدائل وخيارات تخرجه من اسره.