#adsense

موقع “ثورة الأرز” بين “ميدان نزالجنوستي” و”ميدان التحرير”

حجم الخط

"الربيع العربي" كما اشتهرت تسميته، هو الموجة التاريخية الحالية من عملية التوسّع الديموقراطيّ على الصعيد العالمي. هذه الموجة تعني أساساً سلسلة بلدان جنوب وشرق الحوض الأبيض المتوسّط، وتحديداً "الجمهوريّات المومياقراطية" في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وهي جمهوريّات افترقت بين "ممانعة" وإعتدال" لكنها التقت جميعها على الإرتياح العام إلى حاجة الغرب العضوية لبقائها، بسبب إستعصاء حل مشكلة فلسطين، وخوفه من الإرهاب وإرتفاع معدّلات الهجرة، وبسبب سوء مردود التجربة الأميركية في العراق، كما أنّها جمهوريّات وجدت في التوريث حلاً تحنيطياً لنظامها الإستبداديّ، مع فارق أنّ التوريث الجمهوريّ تحقّق بالفعل في سوريا فقط، وكان يجتاز مرحلة انتقالية في إتجاه التحقق في البلدان الأخرى.

بهذا المعنى، تنتمي "ثورة الأرز" اللبنانيّة إلى سياق آخر، بل إلى موجة تاريخية أخرى من عملية التوسّع الديموقراطيّ في إتجاه الشرق، موجة تجمعها بـ"الثورة البرتقالية" الأوكرانية و"ثورة الورود" الجيورجية و"ثورة التوليب" القرقيزية و"الثورة الخضراء" الإيرانية أكثر مما تجمعها بحاضر "الربيع العربي". "ثورة الأرز" بهذا المعنى أقرب إلى ذاكرة "ميدان نزالجنوستي" في وسط كييف، منها إلى "ميدان التحرير" وسط القاهرة.

من ميزات الموجة التاريخية السابقة، والتي امتدت من كييف إلى تبليسي إلى بيروت إلى طهران، تنوّع سياقاتها القوميّة أو الإقليميّة، وإستنادها إلى ربيع شعوب شرق أوروبا في نهاية الثمانينات كمثال أعلى يحتذى، وعدم توقّعها أن تجابه بمقاومة بيروقراطية أو عسكرية أو مافيوية أو ميليشيوية ضارية، وعدم قدرتها على الإستناد إلى قواعد إجتماعية صلبة هي أكثر من ضرورية للصمود في وجه الأشكال المختلفة من "الإستبداد الشرقيّ" التي وقفت تصارع تلك الهجمة، ومن ثمّ عدم قدرة الغرب على تجاوز الدعم الكلاميّ إلى الدعم الفعليّ لها، بل حتى تواضع الدعم الكلاميّ، إذا ما تجاوزنا التغطية العالمية الواسعة للأيّام المشهدية من الثورتين الجيورجية والأوكرانية.

لكن هذه الموجة الأوكرانية الجيورجية اللبنانية الإيرانية (2004- 2009) من عملية التوسّع الديموقراطيّ على الصعيد العالميّ ترنّحت بعمومها، وإن يكن بأشكال مختلفة، فمن التعثّر الذاتي للقوى الليبرالية في أوكرانيا إلى خسارتها الإنتخابات إلى ملاحقتها القضائية، ومن الإرادوية الفظّة التي طبعت الليبرالية الجيورجية إلى إصطدامها المغامر بالآلة الحربية الروسية، إلى تأخّر المعارضة الإيرانية في القطع مع "المرشد"، وشعورها المرّ بعد ذلك بأنّها معزولة ومتروكة لحال سبيلها أمام همجية الميليشيات "المهدو-فاشية".

وثورة الأرز اللبنانية، قد لا يمرّ إدراجها في هذه الموجة بالذات دون إثارة عدد من الإشكالات، خصوصاً وأنّها تعتمد أساساً على إئتلاف من القوى الأهلية التقليدية مع دور منحسر منذ الأساس للنخب الليبرالية، وتتحرّك في بلد صغير ومتأخّر من حيث تشكيلته الإقتصادية الإجتماعية والحضارية. لكنّ ثورة الأرز هذه، تبقى رغم كلّ التحفّظات الممكنة جزءاً من هذه الموجة، وأصيبت إلى حدّ كبير بما أصاب الموجة بعمومها من "ترنّح"، وهنا يمكن القول إنّ البنية التقليديّة للبنان التي لا تسهّل الأمر لأي "حسم واسع النطاق" لمسار الأزمات الأهلية الناشبة فيه، كانت هي نفسها البنية التي ساهمت في عدم تطوّر المضامين الديموقراطية والليبرالية لـ"ثورة الأرز" في الأساس، كما كانت هي نفسها البنية الواقية للحركة الشعبية والسياسية التي تمثّل "ثورة الأرز" من أن تعرف مصيراً تراجيدياً مشابهاً لما حصل في أوكرانيا (هزيمة انتخابية تمهّد لقمع قضائي) وجيورجيا (هزيمة عسكرية مع بقاء النظام المنبثق عن ثورة الورود) وإيران (ثورة مظلومة مضرّجة بدماء آلاف الشهداء).

واليوم، فإنّ رمز تلك الموجة السابقة، أي رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة لوليا تيموشنكو، باتت بالفعل "جان دارك" الثورة البرتقالية الأوكرانية حيث انتقلت من الإقامة الجبرية قبل عام إلى الإحتجاز المؤقت قبل أشهر وتتهددها سنوات سجن طويلة، مصيرها لوحده كافٍ لتلخيص صعود الموجة التاريخية للتوسّع الديموقراطيّ التي انخرط فيها أحرار أوكرانيا وجيورجيا وقرقيزيا ولبنان وايران.

لا أحد يمكنه أن يتلمّس اليوم كيف يمكن للحراك الديموقراطي أن ينهض مجدّداً في الجمهوريات السوفياتية السابقة، أو كيف يمكن بالفعل لأحرار إيران أن يجدّدوا عهد الثورة الخضراء المظلومة. وبهذا المعنى بالذات، يمكن المجازفة بالقول إنّ "ثورة الأرز" اللبنانية تتصرّف، بل لها أن تتصرّف، على أنّها "الناجي الوحيد"، وهو ما يعود إلى إحتمائها بالبنية التقليدية للمجتمع اللبناني، رغم الإعاقات الموضوعية التي فرضتها هذه البنية أساساً على المضامين الديموقراطية والليبرالية لـ"ثورة الأرز". لكن الثورة اللبنانية لن تكون بالفعل كذلك إلا إذا وضعت لنفسها برنامجاً جديداً من وحي الربيع العربيّ، وليس إذا تبنت الربيع العربيّ كشعار فقط، أو رأت فيه شعارها الأصليّ لا أكثر ولا أقل. فالأمر لن يحدث بصفة "أوتوماتيكية" أو بالإعتماد فقط على مسار الربيع العربيّ نفسه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل