بسبب انشغال الدولة برموزها الثلاثة الاولى، رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئـيس مجلس الوزراء، نجيب ميقاتي بقضايا تهمّ لبنان والمنطقة، سيطر على الحياة السيـاسيـة الداخلية جو من الجمود الملحوظ، لاضطرار الدولة الى السـفر، بعضـها الى نيويورك، والبعض الآخر الى ايران وارمينيا، فتـراجـعت السجـالات الحـادّة الى الحدّ الأدنى من الـتوتر، خصوصـاً ان جمـيع الاطراف من دون استثناء، يترقـبون بقلـق واهتمـام، ما تحـمله رياح التغـيير في عدد من الدول العربية، وفي شكل خاص الرياح السورية والفلسطينية، ليبنوا على النتائج مواقفهم المستقبلية، على اعتبار ان النتائج الايجـابـية بالنسبة الى البعض، ستكون سلبية للبعض الآخر، ولذلك تركّز الاهتمام على متابعة الحراك الشعبي الذي يدور في سوريا وفلسطين، بسبب ارتباطه في جوانب عدّة، بالوضع الداخلي اللبناني، كما ان التحركات المطلبية للعمال والموظفين والاساتذة وغيرهم من مكوّنات المجتمع اللبناني الغارق بأكثريته الساحقة في دوّامة من البؤس والفاقة والاحباط، استحوذت ايضاً على اهتمام ومتابعة من رجال السياسة والعمال وارباب العمل، وبطبيعة الحال من المسؤولين المعنيين بقضايا الاجور والغلاء والاقتصاد والفساد.
استراحة المحاربين هذه، لا تعني ان نار الخلافات همدت تحت اولوية الضغوط الخارجية، بل لأن كل فريق يغتنم فرصة الاستراحة لاعادة تنظيم صفوفه، تمهيداً لمعاودة النزال عندما تأتي الساعة، واصعب الساعات الآتية واشدّها خطورة، استحقاق دفع ما يتوجب على لبنان لتمويل المحكمة، وفي الانتظار يحاول تجمّع 8 آذار تضميد جروحه العميقة التي اصابته بسبب ما نشرته الصحف اللبنانية من برقيات لمسؤولين وديبلوماسيين اميركيين، حصل عليها موقع ويكيليكس، وحملت فضائح الثرثرة والاستغياب، التي تبرّع نواب وقيادات في 8 آذار البوح بها الى الولايات المتحدة الاميركية، الشيطان الاكبر في العلن، وحاملة السر بين جدران اربعة.
امّا قوى 14 آذار، التي فوجئت بمواقف البطريرك بشاره الراعي في باريس، وما تبعها من استغلال لدى قوى 8 آذار، التي وجدتها مناسبة لتسجيل اهداف عدّة في مرمى 14 اذار، فقد استعادت روعها سريعاً، اولاً بالتوضيحات التي اعلنـها الراعي في اكثر من مناسبة، وثانياً في الحشد الشعبي الكبير الذي رافق القداس لراحـة انـفس شهداء المقاومة اللبنانية، وثالثاً في خطاب رئيس حزب القوات اللبـنـانية الدكتور سمـير جـعجع، الجامع المانع الواضح، والذي وضع فيه النقاط على الحروف، برفـضه الدكتاتوريات السياسية والذمية الدينية، والتقوقع المسيحي، والدعوة الى قيـام حلف الاقليات، وقد تأكد خروج 14 آذر من صدمتـها، بـالدعوة التي وجهها لقاء سيدة الجبل الى عقد خلوة مسيحية بمثابة مؤتمر تأسيسي، سوف يحضرها – على ما اعلن – عدد كبـير من الشخصيات السياسية والاجتماعية والاعلامية ومن العاملين في المجتمع المدني، للخروج بتوصيات تساعد على تـلمّس الطريق الصحيح في علاقة المسيحيين، بعضهـم مع بعـض، ومع الشركـاء في الـوطن، وفي نظرتـهم الى ما يدور حـولـنا في دول العالم العربي من تطلع شعوبـها نحو ربيع يشابه ربيع لبنـان في العـام 2005 ودور المسيحيين في مواكبة هذا الحـراك واحترامه وتشجيعه، انه لقاء على الخير لحماية الكنيسة والمسيحـيين فـي زمن التحـولات التـاريخـية.
* * * * *
الجروح تندمل، لكن آثارها تبقى الى زمن، وبرقيات ويكيليكس، فتحت جروحاً في جسم 8 آذار من الصعب ان تندمل بسرعة وسهولة، من هذا المنطلق يمكن فهم دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى اغلاق ملف نشر الوثائق الاميركية، لأنه يزيد في توتير الاوضاع بين الافرقاء المتخاصمـين، وبين فريق الصف الواحد، مـا ينعكس تشنـجاً في الداخل، لا يفيد منه احد، بـل يصبّ الزيت على النار، ويزيد في تعميق الاحقاد والخصومات، وما يقوله الرئيس سليمان اليوم، كانـت تقوله قيـادات في 14 آذر، عنـدما بدأت حـملة مسعورة لاستهدافهم في ضوء ما نشر على لسانهم وطاول قوى 8 آذار وفي المقدمة حزب الله، وكان هؤلاء يؤكدون ان ما يقـولونه في السر، يقولونه في العـلن، وما من داع لتحميل الامر اكثر مما يحتمل، ولكن السكاكين كانـت جـاهزة للطـعن والذبح، الى ان بدأت رياح ويكيـليكس تلفح 8 آذار وقياداته، فطلع الصباح وسكتت 8 آذار عن الكـلام المبـاح وغير المباح، وعادت الامور الى حجمها الطبيعي، والحجم الطبيعي المتـاح الـيوم، هو تقطيع الوقت والانتظار على قارعة الاحداث المتسارعة محلياً واقليمياً ودوليـاً، بين ثورات شعبية من هنا، وصـراع نـووي من هناك، وازمة ماليـة عالمية، يكـاد عدد كبـير من الدول الكبيرة والصغيرة يختـنق بها، ونتائجها المدمّرة قد تدق ابواب لبـنان، اذا بقيت نصـائح حـاكم مصرف لبنان رياض سلامة الداعية الى ازالة الاحتقان السياسي والتوتر الامني، صرخة في واد.