مرّة أخرى تدلّ القيادة السورية إلى واحدة من أهم "عاداتها" الموروثة من زمن مضى وعهد سلف. وتؤشر بذلك إلى أنّ شيئاً مهمّاً من تلك العادات لم يتغيّر رغم التغيير العنيف الذي تشهده سوريا.
تستمر تلك القيادة في لعبة الاستعارة والإيحاء والتمويه. وتديرها وفق منطق الأمور الخاصة بها: لا تزال تعتبر أنّ غطاءً سنّياً لبنانياً سيكون مفيداً "لصورتها" وممارساتها داخل سوريا. وتفترض أنّ استقبال شخصيّات مهما كان ثقلها هزيلاً، ومهما كان اسمها مثيراً للالتباس، ومهما كانت قدراتها التمثيلية توازي الصفر المكعّب أو أعلى منه بدرجة أو اثنتين.. إنّ كل ذلك التهريج يمكن أن يعوّض (أو يغطّي) حقول القتل المفتوحة منذ شهور ستة!، أو يُنسي أهل سوريا ولو مشهداً واحداً من المشاهد المتأتية من كيفية "معالجة" السلطة وأدواتها لفوران المطالبة برحيلها، وإعادة ما سلبته على مدى خمسة عقود إلى السوريين. وفي مقدم ذلك حياتهم وكراماتهم وحرّيتهم وحقّهم في العيش في دولة مكتملة البنيان والمؤسسات. حيث الأمن فرع وليس الأصل. وحيث القانون سلطان وليس خادماً لشأن حزبي أو فئوي. وحيث المال العام هو تماماً كذلك وليس حقلاً سائباً لمصالح خاصة. وحيث الحياة السياسية هي تماماً "حياة" بكل شؤونها وفنونها وأصولها وطقوسها، وليست تعبيراً عن إرادة حزب واحد، تحوّل بدوره إلى واجهة تغطّي هيئة سلطوية واحدة، اختزلت بدورها الحزب والناس والبلد بأمّه وأبيه.
مراس هامشي تفترضه القيادة السورية أساسياً بامتياز.. ويُقال مجدداً فيه وعنه، إنّ تلك الصورة المكرّرة والتي ستتكرّر في الأيام الآتية، لا تدلّ في حقيقتها الأولى والأخيرة إلا على العقم الذي بلغته أزمة السلطة في دمشق. وإلى عبث المجادلة والمحاولة معها في شأن إصلاح موعود، فات أوانه، بل لم يكن وارداً في الأصل والأساس ولو لمرّة واحدة. كما يدلّ (ذلك المراس) على ضيق ذات اليد التي كانت قبل مدّة وجيزة تحوز أوراقاً كثيرة، وتصل إلى ساحات مفتوحة، وتكمش خيارات أوسع مدى.. ضمرت تلك جميعها، وصار الإنجاز الأبرز راهناً في أداء أهل السلطة هو ذلك الخبر الذي توزّعه وكالة "سانا" مرفقاً بصورة ولا أجمل، عن "استقبال" الرئيس بشار الأسد تلك الشخصيّات اللبنانية الحرزانة!
.. والملاحظ أنّ لعبة التمويه هذه لا تكتمل إلاّ بأداء موازٍ: غياب أي تصريح أو تعليق من قِبَل "حزب الله" وقيادييه عن الوضع السوري.. الأمر غير مستحبّ راهناً يا اخوان، حيث المطلوب القول والإيحاء والإشارة والتمويه بأنّ السلطة لا تزال على قوّتها وهيبتها وقدرتها.. ومن أبرز ملامح تلك القوّة استقبال مصطفى حمدان وكمال شاتيلا.. على أمل ألاّ يُنسى عدنان عرقجي وبهاء الدين عيتاني!