لم ينقض على عودة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من نيويورك أسبوع حتى بدأت الترجمة العملية للالتزامات التي تعهدها لبنان من على أعلى منبرين دوليين في نيويورك وواشنطن، مقابل تجاوب الادارة الأميركية مع طلب اعطاء الحكومة فترة سماح لتقرن فيها اقوالها بالأفعال ولتنزع عنها صبغة اللون الواحد.
فمع ادراجه قانون برنامج ضمن مشروع موازنة 2012 يلحظ تأمين مساهمة لبنان في نفقات المحكمة الدولية، حسم الرئيس ميقاتي وعلى يمينه وزير المال في حكومته محمد الصفدي خيار فريق حكومي بالتزام المحكمة وتمويلها عبر ترجمة ذلك بالانتقال من اعلان النيات الى التطبيق.
وقد تزامن اعلان الصفدي مشروع الموازنة بما تضمنه من توجهات سياسية أولا ومالية واجتماعية ثانياً، مع عودته من واشنطن حيث شارك في اجتماعات صندوق النقد الدولي وكانت له لقاءات على هامشها مع مسؤولين في الادارة الاميركية استمع فيها الى اسئلة وصفت بالصارمة حول التزامات لبنان الدولية، هي نفسها التي سمعها ميقاتي بلغة ديبلوماسية في لقاءاته السياسية في نيويورك، مما يعزز الانطباع ان فترة التفهم الدولية اقترنت بطلب اميركي لاجراءات جدية تعكس الالتزام الحكومي وتضع حداً للمماطلة والسجال الحاصل حول ذلك الالتزام.
ماذا يعني ادراج الصفدي بند التمويل في الموازنة؟ وماذا يترتب على هذا الاجراء؟
يجيب مصدر وزاري مؤيد للمحكمة بأن ادراج البند في الموازنة والذي جاء بناء على تشاور مسبق بين الصفدي وميقاتي، يضع الحكومة أمام مسؤولياتها في مسألة تعني لبنان وتشغله منذ صدور قرار انشائها وان طاولة مجلس الوزراء هي الموقع الدستوري الأوحد لاتخاذ القرار في شأنها. فرئيس الحكومة والى جانبه الوزراء المقتنعون بأهمية حفاظ لبنان على موقعه ضمن الشرعية الدولية حرصاء على عدم تهريب هذا البند لاقراره من خارج التوافق الحكومي والسياسي حياله، مما يستبعد الخيارات المتعلقة بامرار التمويل عبر مرسوم مجهول الهوية او عبر مجلس النواب الذي يشكل الخيار البديل في حال عجزت الحكومة عن التوصل الى قرار. وفي مثل هذه الحال التي يستبعدها المصدر، يكون مصير الحكومة على المحك بعدما سقطت معادلة "حزب الله" وحلفائه القائمة على الفوز المطلق: السلطة واسقاط المحكمة، وبات على الحزب ان يختار اما الحكومة والسلطة واما المحكمة!
ولأن الحزب ليس في وارد التضحية بالسلطة بعدما استأثر بها على رغم تصعيده وحليفه النائب ميشال عون ضد المحكمة (الذي بلغ به الامر اعتبار التمويل الذي يعني نصف الشعب اللبناني تبذيرا للمال العام)، فان كل المعلومات تشير الى انه لا يمكن التضحية بالسلطة مقابل المحكمة، واسوأ الخيارات تحويل الحكومة الى تصريف الاعمال. وفي الانتظار، يبقى ملف التمويل في عهدة الحكومة والنقاش حوله في عهدة مجلس الوزراء. اما المخرج فيترك للوقت المتاح امام الأخير ليستفيض في نقاشاته التي قد تمتد حتى آذار المقبل، موعد استحقاق تجديد البروتوكول المتعلق بالمحكمة مع الامم المتحدة. وثمة من يقول ان في جعبة رئيس الحكومة عرضا للحلفاء يقضي بأن تخلص النقاشات الى اعداد ملف قانوني متكامل يلحظ كل الملاحظات المسجلة على اداء الحكومة مروراً بملف شهود الزور، مما يجعل موضوع التمويل جزءاً غير مهم أمام ضخامة الملف المزمع تحضيره.
وفي هذا الاطار يسجل المصدر الوزاري مجموعة من الملاحظات المطلوب اخذها في الاعتبار:
– ان عدم اقرار التمويل سيؤدي الى اطاحة مشروع الموازنة على غرار ما حصل في مشروع موازنة 2010 التي تعطل اقرارها بسبب ادراج قانون برنامج في هذا الشأن للعامين 2010 و2011.
– لم يعد ممكنا امرار التمويل بسيناريوات تقترح اما عدم مشاركة وزيري "حزب الله" في جلسات مجلس الوزراء واما بانسحاب وزراء الحزب و"أمل" وعون من الجلسة تلافيا للاحراج، بل ان الامر بات يستدعي تسوية سياسية تخرج الموضوع من التداول وتحفظ الحكومة ولا تدفعها نحو السقوط.
– ان المرجعية الوحيدة لاقرار التمويل هو مجلس الوزراء. فعندما ادرجت وزيرة المال السابقة ريا الحسن قانون برنامج التمويل في موازنة 2010 لعامي 2010 و2011 بقيمة 108 مليارات ليرة ( 61 مليارا لسنة 2010 و47 مليارا لسنة 2011) وتمت الموافقة على المشروع قبل ان يتعطل في مجلس النواب، اعد وزير العدل آنذاك ابرهيم نجار مرسوما بسلفة خزينة لتسديد مستحقات 2010 "على ان يلحظ لها اعتماد في الموازنة" كما جاء في المرسوم حوله الى وزير المال طالبا التنسيب ورفع مقرونا بتوقيعيهما الى مجلس الوزراء للموافقة عليه. وهكذا تمّ صرف حصّة لبنان للعام 2010 بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء!
ماذا يعني ذلك؟
يجيب المصدر بأن رئيس الحكومة منذ تكليفه لم ينفك يكرر التزامه المحكمة والقرارات الدولية، واليوم وقد بات عليه ترجمة تلك الالتزامات، أعلن عبر "النهار" انه ليس ضائعا ويعي وجهته جيداً. وخياراته في هذا الشأن واضحة: لا تراجع عن المحكمة ولا خروج للبنان عن الشرعية الدولية ايا يكن الثمن مقابل ذلك.
وإذ يدعو المصدر الى استعادة تجربة الكهرباء يخلص الى القول: "تذكروا أين كنا عندما طرح اقتراح العماد عون للكهرباء وأين انتهينا وتذكروا أين بدأنا بموضوع المحكمة لتشهدوا أين سننتهي".