لم يعثر الأميركيون حتى الآن على الوصفة الكفيلة بإسقاط النظام السوري. والضغوط التي يمارسونها على هذا النظام تزداد تصعيداً، لكنّها لن تصل الى مرحلة حاسمة في المدى القريب.
المصادر الديبلوماسية المتابعة تشير الى انّ واشنطن التي بدت في المراحل الأولى متفائلة بحسم الموقف سريعاً، اصطدمت بمجموعة من العوامل غير المحسوبة، وهي تعمل على حلحلتها، بما يتيح لها استئناف الضغوط على الرئيس الأسد. وعبّر السفير الأميركي روبرت فورد أخيراً عن بعض هذه العوامل، عندما قال إنّ الجيش السوري متماسك مع النظام الى حدّ كبير، وإنّ هناك خطراً في ظل هذا الواقع لاندلاع حرب أهليّة. وفي عبارة أكثر وضوحاً، تبيّن للأميركيّين انّ المشهد السوري من "الربيع العربي" لا يشبه أيّاً من المشاهد الأخرى.
لا آفاق زمنيّة للأزمة
ويستنتج العديد من الباحثين ومكاتب الدراسات ذات التأثير المباشر على صناعة القرار في واشنطن، أنّ الأزمة السورية مفتوحة الى حدود زمنية غير منظورة. ويؤكّد ذلك، إضافة الى تماسك الجيش، الضعف الواضح في صفوف المعارضة، وعدم وجود قيادة قويّة لها ولا استراتيجية للمرحلة التي يمكن ان تلي إسقاط الأسد وصورة النظام المقبل، على رغم التأليف المتأخّر للجلس الوطني.
وفي موازاة ذلك، تحاذر واشنطن الغوص بمفردها في المستنقع السوري. وهي تجهد للتوصل الى خطوات متناغمة مع شركائها الأوروبّيين في مجلس الأمن. لكن ذلك يصطدم بتمسّك صارم وغير مسبوق من جانب روسيا والصين برفض أيّ عقوبات رادعة للنظام. والفشل في إصدار قرار يدين سوريا، قبل يومين خلق المزيد من الإرباكات أمام أيّ حملة دولية مركّزة، وأثار ارتياحاً لدى النظام الى قدرته على الصمود حتى إشعار آخر. وظهر للأميركيّين وحلفائهم انّ من الصعب إقناع موسكو وبكين بمشاركتهم الحملة لإزاحة الأسد، لأنّه يمثّل لهما نقطة الثقل في المحور الحليف لهما في الشرق الأوسط، وإنّ "التضحية" به لا يمكنهما تعويضها، وإنّ ما من ثمن مهما كان عالياً يمكن ان يكفيهما للموافقة على استبداله. فسقوط النظام السوري سيمهّد لإضعاف طهران وانحسار دورها الإقليمي. وهذا يعني فوز الأميركيّين وحلفائهم نهائيّاً وبالضربة القاضية في الشرق الأوسط، وتبدُّد أيّ قدرة لدى أيّ قوّة دوليّة أخرى لاستعادة التوازن في المنطقة.
محاذير التدخّل
ووفقاً لديبلوماسيّين، تخشى الولايات المتّحدة أن يؤدّي أيّ تدخّل أحاديّ من جانب الحلف الأطلسي في سوريا، الى نتيجة عكسيّة. فهذا التدخّل يمكن ان يتّخذه النظام عنواناً ليزيد حدّة القمع في الداخل، تحت شعار التصدّي لمؤامرة خارجيّة، وإقناع الرأي العام بأنّ ما يجري ليس وليد رغبة شعبية سوريّة في تحقيق الإصلاح، بل هو نتيجة لتآمر خارجي لإيقاع الفتنة في سوريا. كما يتأنّى التحالف الدولي في زيادة العقوبات الاقتصادية تجنّباً لانعكاس ذلك على الفئات الشعبيّة، قبل النظام، ما يدفعها الى المطالبة بوقفها، فتأتي النتيجة معاكسة لما كان مطلوباً تحقيقه.
ويسلك الأميركيّون "بين النقاط" طريقاً لتصعيد العقوبات تدريجاً ضدّ النظام السوري، بحيث يطمحون الى بلوغ أهدافهم من دون خضّات دوليّة أو إقليمية. لكن هذا التعاطي البطيء يسابق الصدام الداخلي الذي ربّما يتاح له الوقت الكافي ليبلغ مداه، في ظلّ الارتباك الدولي.
وقد يؤدّي عامل الوقت، المفتوح الى حدود غير معلومة، الى خلق معطيات كارثية على الأرض، في ظلّ عجز النظام عن سحق الثورة، وعجز الثوّار عن إسقاط النظام. وعندئذٍ سيكون التدخّل الغربي لغايات أخرى. وهذه الغايات قد يكون البعض يعلم بها أو يعمل لها.