#dfp #adsense

“الجمهورية”: أكثر من ألف سنترال… التخابر غير الشرعي يجتاح لبنان

حجم الخط

كتبت ناتالي إقليموس في "الجمهورية": التخابر لعشر دقائق الى بنغلادش بألف ليرة لبنانية، و3 دقائق الى العراق بألف ليرة ايضا، و5 دقائق الى سريلانكا بـ 500 ليرة… تتعدد البلدان ويتفاوت سعر دقيقة التخابر، إلّا أن المشهد واحد، زبون يقف في الصف منتظرا دوره، وآخر يمسك "الهاندي" متحدثا بأعلى صوته على قارعة الطريق.

منذ سنوات وظاهرة انتشار سنترالات التخابر الدولي غير الشرعي تتفشى كالطفيليات، متسللة إلى مختلف الاراضي اللبنانية من دون ان تعصى عليها مناطق نائية أو مربعات أمنية. من المسؤول عن فوضى هذا التفشي؟ من يراقب أعمال هذه السنترالات؟ أين وزارة الاتصالات من كل ما يحدث؟… أسئلة كثيرة باتت مُلحّة في الفترة الأخيرة، بالتزامن مع توسّع هذا الانتشار.

بين 1000 و3000 سنترال
"الوزارة في صدد إعداد دراسة كاملة حول هذه القضية، من أجل الخروج بخلاصات فعلية"، هذا ما أكّده مستشار وزير الاتصالات محمود حيدر في حديث الى "الجمهورية"، مشيرا إلى انه "تمّ حتى الآن جمع قسم لا بأس به من المعطيات حول هذه الظاهرة، في ظل غياب أيّ مسح رسمي لعدد سنترالات التخابر". لذا، رجّح أن يراوح عددها "بين الـ1000 و3000 سنترال على كل الاراضي اللبنانية".

وفي هذا السياق، لم يستبعد حيدر الذهاب في منحى الضغط غير المباشر على أصحاب تلك السنترالات، قائلا: "ربما قد نذهب في اتجاه تخفيض كلفة التخابر الدولي أكثر لتصبح في متناول الجميع، ما يساعد على الحد من تفشّي هذه الظاهرة". وأضاف: "هذه المسألة لا تقلّ أهمية عن انتشار أصحاب موزّعي الانترنت بواسطة الكابل، فهؤلاء أيضا غير شرعيين، ولكن من خلال تقديمنا خدمة (DSL) بكلفة أقل وبجودة عالية، تمَكنّا تدريجا من قَونَنة عملية استخدام شبكة الانترنت وحصرها بالدولة".

ولم ينكر حيدر ضرورة تحديث قانون تنظيم الاتصالات، قائلا: "لا شك في ان القانون يحتاج إلى ورشة عمل و"نفضة"، لكن في انتظار تحديثه، لا بدّ من اتخاذ بعض الخطوات التي تلجم تفشّي سنترالات التخابر غير الشرعي، مع الاشارة إلى ضرورة البقاء مَرنين حيال هذا الموضوع، نظرا إلى أهمية دور هذه الخدمة بالنسبة إلى مستخدميها".

دوافع الانتشار
ومن جهة أخرى، قالت مصادر مطلعة في وزارة الاتصالات لـ"الجمهورية"، "إنّ تجارة التخابر لم تكن لتنمو بهذه الوتيرة السريعة لولا حاجة الناس إليها، مع العلم انها أبصرت النور منذ سنوات طويلة، أيام الحرب الأهلية". أما عن الاسباب التي ساهمت في دفع هذه الظاهرة قدما، فأوضحت: "كثيرة هي الدوافع التي أدّت إلى انتشار هذه الظاهرة، منها جوهرية، كبروز حاجة الى التخابر مع الخارج بأقل كلفة ممكنة وعدم امتلاك معظم العمالة الاجنبية هواتف خاصة بها، وأخرى عرضية مثل انقطاع بطاقات الهواتف العمومية". ولفتت المصادر إلى عملية تزاوج الخدمات التي بات ينفذها أصحاب السنترالات، ما يضاعف من نسبة أرباحهم، وقالت: "لم تعد تلك المحلات تكتفي بتقديم خدمة التخابر، خصوصا بعدما تم تخفيض كلفة التخابر الدولي، بل وسّع معظمها نطاق عمله ليشمل عمليات تحويل الأموال، وبَيع الإكسسوارات للهواتف المحمولة، وبيع بطاقات اللوتو…".

لهذه الأسباب غير شرعية

وردا على سؤال، متى تكون سنترالات التخابر غير شرعية، أجابت المصادر: "إستنادا إلى المرسوم الاشتراعي الرقم 127 الصادر في عام 1959، ذكر في المادة الاولى: "تتولّى المديرية العامة للهاتف إنشاء التجهيزات والشبكات الهاتفية واستثمارها وإداراتها، والقيام بكل الاعمال التي يتطلبها الحصر الهاتفي". وفي المادة الرابعة استثني من الحصر: "الإنشاءات والتجهيزات الهاتفية التي يقوم بها الجيش، الإنشاءات والتجهيزات الهاتفية المرخّص بها بموجب قانون". ما يعني ان معظم سنترالات التخابر المتوافرة غير شرعية، كونها تنتقص من الحق الحصري المعطى لوزارة الاتصالات، فكل من يريد المتاجرة بالهاتف الصوتي يَخرق حصرية الدولة ويعتبر مخالفا".

وعمّا إذا كانت خدمة التخابر الدولي عبر "السكايب" تنتقص من حصرية الوزارة، قالت المصادر: "في الأعوام السابقة تمّ استثناء هذه العملية كونها في معظم الاحيان لا تجري بقصد التجارة، لذا لم تتم مكافحتها، ولم تعتبر تخابرا غير شرعي لأنها لا تحقق الأرباح لأصحابها مثل تجارة الهاتف الصوتي، بل هي وسيلة من شأنها تسهيل التواصل بين اللبنانيين". أمّا عن تأثير نفاد بطاقات "كلام" و"تليكارت" في انتعاش هذه الظاهرة، فقالت المصادر: "بعد الخلاف الذي وقع بين هيئة "أوجيرو" الموكلة طبع البطاقات لحساب وزارة الاتصالات، لا شك في أن الإقبال ازداد على السنترالات، ولكن كما كشف الوزير نقولا الصحناوي ستوقِّع الوزارة عقدين مع "ليبان بوست" لتوفير البطاقات في غضون أيام". وعن محاذير عمليات التخابر التي قد تشهدها السنترالات، قالت المصادر: "إنها متنوعة، وأبرزها على المستوى الامني، وطبيعة المكالمات التي يمكن الزبون إجراءها على نحو يصعب ملاحقته أو التعرّف إلى مكان وجوده". ويضيف: "من الواضح ان هذه التجارة تخفي في طيّاتها حجما كبيرا من الارباح لأصحابها، والتي للأسف تفوّتها الوزارة والدولة".

أصحاب السنترالات
منذ أكثر من 4 سنوات، يدير "حسن" محلا للتخابر، لذا يعتبر نفسه محظوظا، "تُعتبر هذه المصلحة من الوظائف المريحة نسبيّا والمُربحة، وعلى المرء ان يملك المعدات الضرورية، وأن يكون موصولا بشبكة الانترنت حتى يؤمن لزبائنه خدمة التخابر الدولي". ويضيف: "لا شك في ان هذه المصلحة لا تخلو من المنافسة والمضاربة، لكن يبقى لكل صاحب سنترال الحنكة الخاصة في تحصيل الأرباح، مع الاحتفاظ بأكبر عدد من الزبائن".

في هذا السياق، لفت حسن إلى "انه تكبّد نحو 22 مليون ليرة لبنانية، مقابل حصوله على رخصة لتأمين خدمة التخابر الدولي". إلّا انه رفض الكشف عنها، واكتفى بالقول: "تندرج هذه المسألة ضمن أسرار المهنة التي يصعب الكشف عنها".

وردا على سؤال عن الأساس الذي تتحَدّد كلفة التخابر بموجبه، أجاب حسن: "نادرا ما يلتزم أصحاب هذه المهنة الأسعار التي تعلن عنها هيئة "أوجيرو"، وإلّا لم نكن لنسأل عن ربحنا الصافي، لذا قد تختلف تسعيرة الدقيقة الواحدة من زبون إلى آخر، حتى وإن كانت المكالمة إلى البلد عينه، فالمسألة أشبه بالميزان، على صاحب السنترال ان يكون "البيضة"، ويبقى الرزق على الله".

أرباح مضمونة
في المقابل، اعتبر "جورج" وهو موظف في أحد سنترالات التخابر "ان هذا النوع من المحلّات في لبنان لا علاقة له بوزارة الاتصالات لا من قريب ولا من بعيد"، واضاف: "قد يتحمّل أصحاب السنترالات المسؤولية عن جزء من الفوضى في اتساع هذه الظاهرة، إلّا أنّ غياب قانون عصري شجّعهم على ذلك، إضافة إلى غياب أي تدابير احترازية من قبل وزارة الاتصالات. ومن المعلوم أنّ "المال السايب يعلّم الحرام"، فهل بعد نُلام؟". لا ينكر جورج ان معظم من يعمد إلى فتح سنترال للتخابر، يبحث عن غطاء سياسي يحميه، ويقول: "نادرا ما تشكّل الرخصة هاجسا لدى أصحاب تلك المحلات، الذين غالبا ما يلوذون بمراجعهم السياسية لتأمين سلامة سير مصلحتهم". وعن النسبة إلى حجم الارباح التي يمكن صاحب السنترال ان يجنيها، قال جورج: "لا شك في أنها تختلف من شهر إلى آخر، ووفق الخدمات التي نؤمنها، إلى جانب التخابر الدولي، ولكن يمكن القول إنّ في إمكاننا ان نضمن ربحا يتراوح بين 3 إلى 4 آلاف دولار أميركي شهريا".

تجدر الاشارة إلى ان عددا كبيرا من أصحاب السنترالات رفض التحدث الى "الجمهورية"، أو اكتفى بالإجابة على نحو مُبهم "تهَرّبا من تسليط الضوء على خبايا هذه المصلحة".

في وقت تشهد البلاد تفشّي ظاهرة تجارة المولدات الكهربائية، وامتدادا لسنترال التخابر غير الشرعي، وبروز ظاهرة "الامن الذاتي"، يبقى السؤال إلى متى ستكون هناك "دويلات" رديفة للدولة؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل