"حزب الله" يخيِّر ميقاتي بين المحكمة والحكومة
لا أكثرية لإقرار التمويل إلا في مجلس النواب
يمكن القول إن المواجهة الحاسمة بين تمويل المحكمة وترحيل الحكومة اقتربت ولم تعد تنفع المماطلة والتسويف وإطلاق الوعود. فالمحكمة كانت ولا تزال بيت القصيد في التجاذب القائم بين أكثرية وأقلية وتحديداً بين "حزب الله" و"تيار المستقبل" منذ أن استقال الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على إقرار النظام الأساسي للمحكمة قبل أن يكونوا قد أبدوا ملاحظاتهم عليه، ومنذ استقالتهم اعتبرت الحكومة غير شرعية وغير ميثاقية واقفلت أبواب مجلس النواب في وجهها وفي وجه المشاريع والمراسيم التي تصدر عنها. وما إصرار قوى 8 آذار على المشاركة في أي حكومة بثلث مجموع عدد أعضائها باسم "الوحدة الوطنية" إلا لتعطيل سير المحكمة بشتّى الوسائل.
وعندما كلفت الأكثرية النيابية سعد الحريري تشكيل الحكومة أصرّت قوى 8 آذار على المشاركة فيها بالثلث أيضاً باسم "الشركة الوطنية" وللحؤول دون استئثار الأكثرية في اتخاذ القرارات المهمة فكان لها ما أرادت. وعندما أخذت التزامات لبنان حيال المحكمة تستحق والقرارات الاتهامية شبه جاهزة للصدور، كان همّ سوريا الوحيد التخلص من المحكمة بتسوية ما، فكانت تسوية "السين – سين" التي لم تصل الى نهايتها السعيدة بسبب الخلاف على كيفية تنفيذها ومن يكون البادئ في تقديم التنازلات، وظنت سوريا ان البادئ ينبغي أن يكون الرئيس الحريري باعتباره وليّ الدم فيبادر الى اتخاذ موقف من المحكمة يجعل سوريا تبادله ضمان بقائه في الحكم. لكن الرئيس الحريري الذي ذاق مرّ الوعود السورية ارتأى أن يكون مؤتمر المصالحة المسامحة الذي يعقد في الرياض هو الذي، بالقرارات التي تصدر عنه، يطوي صفحة الماضي بكل مآسيها وجرائمها بما فيها تلك التي وقعت إبان الحروب اللبنانية واغتيل فيها نجل الرئيس سليمان فرنجية والرئيس رشيد كرامي وتفتح صفحة جديدة. لكن إرجاء اتخاذ هذه القرارات إلى حين انعقاد هذا المؤتمر لم يعجب سوريا لأنها تحرص على أن يكون عصفور المحكمة قد أصبح في يدها قبل انعقاد المؤتمر بحيث تصبح في موقع قوي عند البحث في القرارات الأخرى. وعندما فقدت سوريا الأمل في إمكان التوصّل إلى تسوية للمحكمة مع الرئيس الحريري وجدت عندئذ أن لا جدوى من بقائه في السلطة، فأوعزت إلى وزراء 8 آذار بالاستقالة فشكلوا مع الوزير عدنان السيد حسين، على رغم انه كان محسوباً على الرئيس ميشال سليمان، الثلث الذي يجعل الحكومة مستقيلة برمتها.
واستطاعت سوريا بفضل القمصان السود لـ"حزب الله" وبسحر ساحر جعل الأقلية النيابية أكثرية فسمّت الرئيس ميقاتي لتشكيل حكومة جديدة. وخوفاً من ان يتم تشكيلها من تكنوقراط يسهل معها الالتزام بتنفيذ كل متطلبات المحكمة، ارتفع أول صوت للعماد عون برفض تشكيل مثل هذه الحكومة في حين ظل "حزب الله" صامتاً ولم يرتفع صوته إلا عندما بلغه أن الرئيس سليمان والرئيس ميقاتي يتجهان نحو تشكيل حكومة تكنوقراط مطعّمة بسياسيين إذا ظلّت عملية التأليف تتعثر.
والآن يواجه الرئيس ميقاتي ما واجهه الرئيس الحريري إذ عليه ان يختار بين الحكومة والمحكمة. وإذا كان الرئيس الحريري اختار المحكمة وتخلى عن الحكومة، فإن الرئيس ميقاتي سيختار المحكمة أيضاً انسجاماً مع مواقفه المعلنة منها لكنه سيبقى رئيساً لحكومة تصريف أعمال لأن لا بديل منها في الظرف الراهن سوى الأزمة التي يستعصي حلّها. وحكومة تصريف الأعمال، كما هو معروف، ليس من صلاحياتها اتخاذ قرارات مهمة ولا سيما ما يتعلق منها بالمحكمة وهي بيت القصيد.
وكما بدأ التصعيد ضد تشكيل حكومة تكنوقراط بصوت العماد عون ثم سانده في الوقت اللازم صوت الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، فإن صوت العماد عون كان أول صوت يرتفع ضد تمويل المحكمة، ومع اقتراب الاستحقاق ارتفع صوت السيد نصر الله ومعه عدد من نواب 8 آذار، مما يدل على أن الاشارة أتت من سوريا المهتمة بأمور كثيرة والمطلوب واحد هو المحكمة…
إن الأكثرية الوزارية وهي لـ8 آذار وللمتحالفين معها ستصوّت ضد تمويل المحكمة في مجلس الوزراء، وستصوت ضد البند الوارد في مشروع الموازنة والمتعلق بتمويلها وترفض هذا التمويل بسلفة خزينة أو على أساس القاعدة الإثني عشرية إذا تأخر إقرار الموازنة بسبب هذا البند، وستحول هذه الأكثرية دون صدور قرار التمويل بمرسوم لأن "تكتل التغيير والاصلاح" سيطلب من وزير العدل شكيب قرطباوي المحسوب عليه عدم توقيعه. وحده اقتراح قانون معجل مكرّر يتقدم به عدد من النواب يؤمن مصادقة الأكثرية النيابية عليه، وهذه الأكثرية تؤمنها أصوات نواب 14 آذار وأصوات نواب كتلتي جنبلاط وميقاتي. لكن هل يفسح الرئيس نبيه بري في المجال لطرح مثل هذا الاقتراح على التصويت؟ لا شيء يدلّ على ذلك حتى الآن وقد يضطر إلى عدم دعوة مجلس النواب الى الانعقاد إلى أن تمر المهلة المحدّدة ليسدّد لبنان ما عليه للمحكمة.
المعركة بين المحكمة والحكومة بدأت. فلننتظر لنرى ماذا بعد؟
