لأننا في موسم الجوائز التي ينتظرها العالم، نقترح إعطاء "جائزة نوبل للبطاريات" مناصفة الى اثنين من لبنان. الأول زميلنا في "النهار" ميشال حلاق، اما الثاني فهو موظف قلم نفوس حلبا، الذي ظهرت صورته اول من امس على صفحتنا الأولى، لتمثل اصدق تعبير عن حال البؤس التي يرتع فيها هذا البلد.
بيده اليمنى امسك ذلك الموظف الأيوبي [من صبر أيوب] بالقلم وانهمك في تسجيل اللوائح على الدفتر الجديد. وبيده اليسرى تابع تسلسل الجدول القديم، لكن الابداع لم يكن في هذا بل في معالجة الظلام بوضع بطارية بين شفتيه ليتمكن من قراءة الأسماء، وكذلك في التقاط ميشال الصورة البارعة.
لا بد من ان يكون السادة المسؤولون في هذه الدولة قد حسبوا ان هذا الموظف يدخن السيجار، لأن معظمهم يملك "عقدة المظاهر"، التي يعتبر السيجار احد أهم معالمها، فلبنان هو البلد الاول في العالم في استهلاك السيجار قياساً بعدد سكانه… اما عن الفقر والتفاهة فحدّث ولا حرج!
واهمية هذه الصورة انها لا تمثل ادانة صارخة للوضع المزري الذي وصلنا اليه في مشكلة الكهرباء، وقد كانت بالأمس ساحة حرب في مجلس الوزراء، بل انها تمثل ادانة معيبة للإدارة اللبنانية، التي لم تسمع مثلاً بالمولدات الخاصة فتشترك فيها لتستحق الرجم، وخصوصاً ان اصحاب المولدات يتقاسمون ارباحهم الفاحشة مع المراجع ذات الصلة وقد بلغت كلفة الخمسة أمبير نصف الحد الادنى للأجر الشهري ولا من يسأل، ولا هي سمعت بشيء اسمه "اللوكس" او سراج الكاز… اما عن "الشموع" فإنها مشعشعة في متاهة الدولة المسخرة.
لا ندري ما اذا كان موظف قلم نفوس حلبا المجتهد سيتمكن في سنة 2014 من ان يستغني عن بطاريته او "سيجاره المضيء" ليقوم بواجباته في مكاتب تنعم بالكهرباء، لكن قياساً بحال البؤس التي تسيطر على الدولة، ليس من المتوقع ان يحظى بهذه النعمة، اذ قد يبتلع من البطاريات ما يستدعي نقله الى العناية الفائقة وعيناه تشرقطان والأضواء تشع من معدته وفمه، والممرضات من حوله يلطمن الصدور مولولات: "يا عدرا، يا عدرا… عجيبة". النور صار يشع من الموظفين بينما تنام محطات الطاقة في ظلمة الكهوف.
كنا نتباهى بأن لبنان بلد النار والنور. عرفنا اعوام النار المدمرة والآن يجيء علينا الدهر السيئ لنصل الى عصر "بطارية في الفم خير من ظلام في المكان"، أي اننا صرنا في العصر الحجري وعلى طريقة: "رجلٌ والدتي، أي أميّ لا تقرأين ولا تكتبين"!