وفجأة، غيّر بطرك بكركي رأيه. فبعدما "دب الصوت" وأطلق صفارات الإنذار خوفاً على "الأقليات" ومنها المسيحية ولا سيما الموارنة، من طغيان "الأكثريات" (السنة) وأبدى تعاطفاً مع الطغاة المتساقطين في هذه الثورات العربية المجيدة، ها هو يتراجع " لا نحن لسنا أقلية" (ولا أعرف من يقصد الموارنة أم المسيحيين). لكن بين نحن "أقلية" (مذعورة)، ولا "أقلية" تطرح التساؤلات حول النظرة "الجامدة" (الستاطيقية) التي باتت تعتمد في مواجهة مثل هذه القضايا… وعندما تقول "أقليات".. نقول "أكثريات".. وما بين بين. وهذا يعني، ان هناك فكرة جاهزة (كليشيه)، أو "أفكاراً" مقولبة تتعامل منذ عقود وربما أكثر، مع الشعب العربي وسواه، وتسجنه في خانات جامدة، ثابتة، بلا أزمنة ولا حتى أمكنة. حتى الإنسان العربي تبنى هذه "الكليشات" عن نفسه، وصدقها، وكأنها "الصفة اللازبة التي تصنعه على غرار أن "الثوب يصنع الأمير" (أو الفقير). هذه التصفيات التي التصقت بالمجموعات (وحتى أحياناً بالأفراد والمناطق)، كونت انطباعات أو اسقاطات لم تساعد النخب ولا سواها، ولا أنظمة، على مراجعتها، وكأنها اتخذت منحى لاهوتياً أو فقهياً أو دينياً، أو احتسبت أنماطاً قديمة جعلتها معايير لقياس ذواتها، أو سواها. ولو عدنا بالذاكرة سحيقاً، لوجدنا ان هذه التوصيفات (الأقرب إلى الطبيعة والموروث) أدركت مجمل الشعوب، وكأنها من الغرائز أو الطبائع المكونة، بلا فكاك، ولا تفصيل.
ويمكن هنا أن نراجع مقولة شائعة أو خرافة مقدسة ان "اليهود شعب الله المختار" مثلاً لنتدارك إلى صفة "البخل" عندهم ونعرف إلى أي مدى لعبت هذه "النواعت" دوراً كبيراً في تقرير مصير الشعب الفلسطيني، الذي وصف ذات زمن بأنه غير "موجود" بذريعة أن "فلسطين أرض بلا شعب" واليهود "شعب بلا أرض" ويمكن هنا التطرق إلى "شعار" اليهودي "التائه" لنعرف أيضاً كم لعب ذلك دوراً في تضليل العالم، لاغتصاب "مكان" لهذا التائه في الوطن الفلسطيني. انها لعبة "الكليشيات" السياسية والمواريث "العرقية" و"الصفات" المختلفة، ضمن أهدافٍ سياسية أو غير سياسية. فاليهودي لأنه "التائه" يجب أن يكون له أرض سواه مكاناً: واليهود كونهم "شعب الله المختار" يسمح لهم بأن يجعلوا من أي بقعة أرضاً مختارة… أو موعودة وهكذا يمكن أن ننتقل إلى العرب أنفسهم الذين، وبعد انحطاط دام خمسة قرون، جُعلوا في مراسم وأطر ساعد الاستعمار على وضعهم فيها و"تأبيدها" كمثل أن العرب شعب خنوع. متخلف. جاهل. ماضوي. وعقله لا يستوعب لا الحداثة ولا العِلم ولا التطور ولا التكنولوجيا ولا الاختراع.. إنه مجموعة قبائل وجمال وحمير وأسواق قذرة وعادات متخلفة وثأر وتقاليد. هذه النظرة الدونية سُوّقت طويلاً عند العرب انفسهم (وقبلوها وبعضهم تعلق بها وتبناها ودافع عنها!). وكانت من الأسباب التي أديمت بها أشكال الاستعمار الأوروبي، وكذلك اغتصاب فلسطين نفسها. النظرة ما زالت سارية حتى اليوم، تغذيها الأنظمة العربية (المنهارة..)، والدوائر المعادية، ودول الحمايات المزروعة في الجسم العربي.
ونظن أن الأنظمة الاستبدادية، (وبعد مرحلة النهضة العربية بروادها، وأفكارها التنويرية وانفتاحها على العالم)، عمّقت هذه الأفكار الجاهزة عن شعوبها، باعتبارها تحتاج إلى من يعالجها لأنها "مريضة"، ومن يرعاها لأنها "قاصرة" ومن يحميها من بعضها لأنها "متخلفة"، ومن يَسوسُها لأنها جاهلة، ومن يمارس عليها القمع لأنها لا تستحق الديموقراطية، ومن يمنع عنها التعبير لأنها ضد الحرية، ومن يدفع شرها عن العالم لأنها عنيفة: والأنظمة بوصفها من "طبقات" أخرى، ومن "مستويات" عالية، ومن "نخب" تقدر الحقوق والمستويات، فهي التي يجب ان تتولى هذه الأدوار (الأبدية) خدمة لهذه "الشعوب" اولاً، وللوطن وللعالم.
معنى ذلك أن هذه الأنظمة الاستبدادية تبرر استمرارها، وبترسيخ هذه الأفكار العدائية عن شعوبها، بل أكثر: تبرّر استمرارها وطغيانها بمقولة ان هذه الشعوب لا تتمتع بالملكات والوعي والمسؤولية لتختار من يمثلها، وعليها (أي الأنظمة) ان تتنكب مهمة أن تختار عن شعوبها ما تراه مناسباً. وهنا بالذات يمكن أن نتدرج إلى كليشيات تطول إلى كل شعب عربي في "خصيصة" أو "حصيلة" أو "ذميمة" كأن يقال عن الشعب اللبناني (بحسب الاستعمار والوصايات المتعاقبة) انه مجموعة شعوب متوحشة وجدت بالصدفة على هذه الأرض تتسلح بالعنف والشراسة، وتشغف بالتقاتل والحروب والتناحر والمجازر وانها مجموعة طوائف (وكل طائفة شعب)، يجب ردها عن بعضها، ومنعها من ممارسة العنف والمجازر على بعضها، وهذا ما روجه أيضاً الغرب ابّان الحروب المتتالية منذ 1969 (وكانت روجته أوروبا في القرنين الماضيين لتجد ذريعة للتدخل والنفوذ) إلى درجة ان الإذاعة البريطانية "BBC" مثلاً (ومعها الاعلام الصهيوني)، راحت تطلق تسميات غريبة على الطوائف كأن تقول "الشعب الماروني" و"الشعب السني" و"الشعب الشيعي"… الخ، ضمن ذهنية التقسيم ونظام الحماية والشرذمة؛ ويعني ان هذه "الشعوب" لا تؤمن ببلد موحد، ولا بوطن "أبدي" ولا بأرض لها حدود، ولا بسيادة ولا ديموقراطية، نظن ان كل هذا يقصد ان هذه "الشعوب" (في لبنان) المتنافرة المتناكرة عليها أن تبحث عن ولاءات خارجية لتدافع عن حقوقها وعن وجودها ومصيرها. ولا ننسى، ان مثل هذه "الثوابت" (الطائفية) تدرجت إلى كل الطوائف تحت مقولة إن لبنان مؤلف من مجموعة أقليات بلا أكثرية، لا تنوع بينها، سوى في درجات غرائزها أو مدى استجارتها بمن تبناها من الدول. فالأقليات يجب ان تبقى أقليات. وهذا ينفي كل أثر فكري تعددي، أو صراع سياسي، أو حتى حياة سياسية، تحت شعار ان كل "أقلية" ان تحتفظ بعاداتها وطقوسها وشعائرها الدينية واعيادها وأفراحها من باب "احترام خصوصية الآخر" .. مما يؤدي إلى سجن هذه المجموعات ضمن حدودها الجغرافية أو المذهبية، بلا تفاعل، ولا تداخل، ولا "هويات" (سوى الهوية المذهبية) ولا وطن جامع، ولا أمان؛ فالأمان ممنوع: وعلى ورثة الاستعمار من الوصايات التي تعاقبت على لبنان عربية وأجنبية وأخيراً إيرانية، أن يحافظوا على هذه "التوازنات" الأبدية، اي على هذه "الانفصالات الوجودية". أي جعل هذه المجموعات مواطنين "افتراضيين" في وطن افتراضي وفي دولة افتراضية، وفي دستور افتراضي، وفي نظام افتراضي وفي سلطة افتراضية وفي تعدد افتراضي وفي اختلاف افتراضي. أي جعلها كلها خارج "التاريخ": فالتاريخ يمشي (إذا مشى) وهي ثابتة ساكنة بمواصفاتها التي جعلت لها طريقة تفكير وطريقة حياة وطريقة موت، وطريقة غياب! والغريب، أن "نظام" "الأقليات"، هذا أريد له ان يكون امتداداً لأنظمة خارجية، او "الأكثريات"، أو "الأقليات"، عربية أو غير عربية، ليس من باب الانفتاح، بل من باب الحصار، ومن باب تنوع الهيمنة وتكريس المصادرة، وعليه، فيجب ان تستدرج هذه "الأقليات" لتتمسك "بأقلويتها" كدرع تقيها من تهديدات الأقليات الأخرى لها، لكي تبقى على "مخاوفها" (وهواجسها) وقلقها على مصيرها وحتى وجودها. فهي، على هذا الأساس باقية على أحوالها: بلا إرادات، ولا مشاركة. أي على الهوامش ومن ضمن الحاجة إلى الحماية: وهذا يعني أن الشعب اللبناني (كمجموعة أقليات بالنسبة إلى الوصايات والاستعمار) مهمش كله، جملة وتفصيلاً. وأي مجرد احتمال بالتفاعل، والتوحد والسعي إلى "التوحيد" و"المواطنية" و"الإرادة" و"السيادة" و"الاستقلال" وحتى الديموقراطية يشكل تهديداً لها وبالتواتر.
فالمسيحيون يُهّددون بالاقتلاع إذا تجرأوا "على اقامة جِسر مع السنة. والسنة يضربون وينفون إذا التقوا والشيعة. والشيعة يُرّوعون بالأكثرية "السنية" في المنطقة، و"الدروز" إذا اقدموا على التواصل بأحلاف، لصوغ مشترك وطني "يُهدّدون" بسلاح "أقلوي".. وهكذا دواليك. الأقليات تعني: الرعب مقابل الرعب! والمواجهة الدائمة: "يا قاتل يا مقتول"! ولهذا يجب أن تبقى الأقليات أقليات، خارج الاعتبارات الوطنية والاجتماعية وأشكال التطور الفكري والسياسي: فالأقليات يجب أن تبقى فوق كل التغيير، سوى تحولها أحياناً من أقلية إلى "أكثرية بسلاح الخارج" أو تحويل "الأكثرية (العددية) أقلية مضطهدة بسلاح الخارج أيضاً. هذا ما حدث في غير مكان. فقد استخدمت الانقلابات العسكرية إلى تحويل "قوى" حزبية أقلوية لتسلم السلطة. وهُمشت بعدها، كل الأفكار والتيارات والصراعات السياسية وحتى الدينية (كفقه ولاهوت) وضرب الديموقراطية نفسها التي تحدد هي لا سواها وعبر الممارسة اليومية وصناديق الاقتراع من هي الأكثرية المنتخبة من الشعب ومن هي الأقلية: بالمعنى التحولي لا بالمعنى الثابت الصراع السياسي هو الذي يحدّد أقلية سياسية أو أكثرية عددية خارج الكميات المذهبية. هذا ما كان جارياً في مصر وفي سوريا وليبيا واليمن ولبنان قبل اغتصاب الأنظمة الحزبية بقاداتها "الخالدين" الحكم بقوة السلاح والقمع والقتل… ليلغوا الحياة السياسية والحريات والصراعات والديموقراطيات المباشرة، ويجوفوا المجتمع من كل أدواته المدنية والاجتماعية، ويحولوا مفهوم الأقلية والأكثرية من مفهوم سياسي قائم على التعددية الفكرية والأيديولوجية المتحولة والمفتوحة إلى مفهوم جامد متصل بأكثريات وأقليات دينية وعرقية وطائفية جامدة. إذاً وكما فرضت هذه الأنظمة "الحزب الأبدي وقائد "من الأبد إلى الأبد" ومن ثم "الولي الفقيه" وقبلها "الأخ الأكبر" و"حزب الشعب" و"حزب الأمة" لتلغي كل تأويل "بشري" أو "سياسي" في المعادلات الشعبية "الملغاة" فهي نقلت "من الأبد إلى الأبد" إلى مقولة الأقليات "الأبدية" والأكثريات الأبدية الجامدة، ليكون لها ان تؤمن ذريعة لهيمنتها العائلية أو المذهبية أو العسكرية (وهي هيمنة أقلية شعبية) ولتحريك هذه "القطعان" المدموغة بأعدادها، ووضعها، مقابل بعضها، عند الحاجة وتخويفها من بعضها، وترويعها من بعضها: وهكذا نرى مثلاً اليوم أن هذه الأنظمة متعمدة الأسلوب الاستعماري "القديم" (والصهيوني الجديد) تضع المسيحيين في خانة الأقليات بصرف النظر عن مواقعهم السياسية والفكرية والثقافية ومعهم الشيعة والدروز والعلويون والأكراد… ليكونوا "الفريسة المقبلة" باعتبار أن هذه المجموعات حافظت على "أصالتها" التكوينية الأولى، وعلى نقائها الديني او العرقي… من دون أي دور آخر، أو متطور، لتكون أبدية في قولبتها. وحافظت على وجودها عبر الدكتاتوريات والأنظمة "الأبدية": فالقائد الأبدي لا بد ان يحافظ على "الأقليات الأبدية" أو ان يجعلها "رهائن" في مواجهة اي تحركات شعبية مناوئة، أو أي ثورات وهكذا سحبت أنظمة "الأبد" و"بعد الأوان والأزمان" ، هذه الأوراق وشرعتها في وجه هؤلاء وفي وجه العالم: إما نحن وإما الأقليات. على غرار أما نحن أو الفوضى او التقسيم. بمعنى آخر جعلوا من مفهوم الأقليات الجامد ورقة تقسيمية وتهديد بدويلات طائفية أو اثنية، تماماً كما فعل الاستعمار والصهاينة، (وأنظمتنا الدكتاتورية هي اولاً وأخيراً ظواهر صهيونية مقنعة بشعارات تافهة مثلها!) إذاً، وكما قلنا في مقالنا السابق الأسبوع الماضي، فالأقلية الحاكمة شعبياً (والمتحكمة بقوة السلاح والمخابرات والقتل: وهي أنظمة قامت أصلاً على القتل). افرزت الأكثرية الشعبية أقلية وأكثرية دينية، لتحول الأنظار عن جرائمها وفسادها ولصوصيتها وهزائمها ومجازرها السابقة والحالية ولتغطي على كل ممارساتها تحت شعارات باتت مضحكة "المقاومة" و"الممانعة" وقبلها "دول الطوق" و"الصمود والتصدي" (شيء يفقع من الضحك) لتذر الرماد في بعض العيون والعقول الساذجة، أو الأحزاب المحترقة كحزب الله شريك بعض هذه الأنظمة في جرائمه: والغريب أن "الانتلجنسيا" سواء عن سوء نية أو عن "طيبة" أو عن تواطؤ، أو اقناع، انخرطت في هذه السجالات الدينية العقيمة، سواء كانت نخباً فكرية أو مرجعيات دينية لتحويل الأنظار عن الحدث الكبير المتمثل بالثورات الشعبية الأكثرية، الثورات العربية التي تطالب باسقاط أنظمة الأقليات العائلية، وامتيازات العصابات الحاكمة من أكثر من ستة عقود.
المثقفون والنخب ومنها رجال الدين، واليساريون والليبراليون… واليمينيون والعلمانيون، دخلوا في هذه اللعبة. وكأنهم لا يعرفون أن التركيز على خطاب الأنظمة المنهارة بافراز طائفي، واثني للشعب… يلغيهم، كما ألغى الشعب نفسه.