مؤلم لكل العرب من المحيط إلى الخليج، أنّ الجيش العربي السوري الذي خاض حرب تشرين عام 1973، وحقق فيها انتصارات مجيدة، يخوض منذ أكثر من ستة أشهر، حرباً ضروساً بشعة ضدّ شرائح واسعة من الشعب السوري، وضدّ كل طموحات هذا الشعب بالكرامة والحرّية والاستقلال. أيضاً من المؤلم جداً أنّ سوريا التي كانت لاعباً ماهراً، بعيداً عن طبيعة وهويّة أخلاقية لعبها أو عدمه طوال ثلاثة عقود وأكثر، أصبحت ملعباً "مفتاحها بيد دول أخرى مثل إيران". كانت سوريا تصيغ مستقبل دول عديدة في المنطقة، وتشارك بفعالية وحضور قويين في رسم مسارات الشرق الأوسط، فإذا بها مع نهاية النظام الأسدي المرسومة تستعطي من الآخرين أن يحافظوا عليها ولا يلعبوا بها ليس لأنّها سوريا التي تستحق، ولكن لأنّ النظام الأسدي قادر على جرّ المنطقة إلى تفجير واسع. لا شك أنّ السكوت على مجزرة حماه عربياً وإسلامياً ودولياً في مطلع الثمانينات شجّع ويشجّع النظام الأسدي على شنّ مثل هذه الحرب في الداخل ضدّ الشعب السوري، من دون أن يدرك أنّ العالم تغيّر وأنّ ما كان مقبولاً قبل ثلاثة عقود لم يعد عُشره مقبولاً اليوم.
لاعبان كبيران، يتجاذبان سوريا حالياً. تركيا وإيران. تركيا الأردوغانية، حسمت موقفها وانحازت نهائياً إلى ضفّة التشدّد. لن ينتظر رجب طيب أردوغان مجلس الأمن ولا لعبة الأمم والمصالح فيه حتى يضغط على النظام الأسدي بمزيد من القرارات. اليوم العقوبات ضدّ نقل المواد العسكرية وغداً مرحلة جديدة سيعلنها من مخيم اللاجئين السوريين في منطقة الاسكندرون عندما يزوره. أقفل الرئيس بشار الأسد كل الأبواب التي فتحها أردوغان أمامه. ربما لأنّه اعتقد أن أمن تركيا من أمن سوريا ذهب بعيداً في رفضه وممانعته، فكانت النتيجة مزيداً من التقاطع التركي مع الموقف الأميركي الأوروبي إلى درجة تكليفها بالملف السوري. من الآن وصاعداً يجب ملاحقة كل خطوة وكل قرار تركي، لتقدير وجهة المسار الغربي من النظام الأسدي. مهما بلغ القلق الدولي على مستقبل سوريا، كونها عقدة الربط والقطع في أخطر الصراعات الدولية، وهو الصراع العربي الإسرائيلي، فإنّه يمكن للمجتمع الدولي اللعب على ميزان "ريختر" للزلازل، وتحويل أعلى الدرجات إلى زلزال محدود الخسائر.
ما قاله أردوغان عن "الدور المؤثر الوحيد لإيران في مد عمر سلطة الأسد"، يؤشّر بواقعية شفافة إلى حقيقة الوضع. حتى روسيا التي استخدمت الفيتو ضدّ قرار مجلس الأمن ليست لاعباً حقيقياً في إطالة عمر النظام الأسدي. روسيا اليوم دولة مصالح وليس مواقف. متى تأمّنت مصالحها قفزت من ضفّة إلى ضفّة. ردود الفعل الدولية والسورية الشعبية أجبرت الرئيس مدفيديف على طرح مسألة "تخلي الأسد عن السلطة إذا كان عاجزاً عن تنفيذ الإصلاحات". مجرّد طرح هذا الاقتراح يعني أنّ كل شيء قابل للتفاوض.
أما إيران، فإنّ وضعها مختلف. علاقاتها مع سوريا والنظام الأسدي، علاقة استراتيجية. لا يمكن لطهران التضحية بالنظام الأسدي، ولا حتى القبول بالتخلّي عنه إلاّ في حال ارتفاع كلفة بقائه أكثر من مردوداته عليها. مجرّد أن تقيم إيران جسوراً مع المعارضة السورية وأن تلتقي مكوّناته في بيروت (أواخر أيار الماضي) وفيينا وباريس، يعني أنّ طهران تدرس مضامين الخطة ج للتعامل مع احتمال سقوط النظام الأسدي. حتى الآن تفاوض طهران جدّياً من أجل المحافظة على النظام الأسدي، بقاؤه يعزّز وجودها فيه، بدلاً من زواج المتعة الذي كان قائماً بين دمشق وطهران، تصبح العلاقة بين دائن ومديون.
مشكلة طهران، أنّه رغم نظام ولاية الفقيه، فإنّ النقاش حاد جداً في مختلف الاتجاهات. ما يعزّز هذا الوضع، أنّ إيران مقبلة على انتخابات تشريعية مهمّة جداً في وقت شكّل فيه الانقسام شروخاً داخل السلطة والمجتمع بعضها عميق يطلّ على خط زلازل حقيقي. "جبهة المحافظين" تحوّلت منذ أشهر عدّة إلى جبهات متصارعة. المواجهة أكثر من جدّية بين الرئيس أحمدي نجاد وكتلته من جهة والمحافظين بزعامة علي لاريجاني والمتشدّدين الذين وإن أُضعفوا فإنهم ما زالوا مسموعي الكلمة. كل ذلك إضافة إلى قضم وهضم "الحرس الثوري" للسلطة السياسية المدروسة والمستمرة بلا توقف، بعد أن أمسك بالقرار في قطاعات الاقتصاد. وإذا ما أضيف إلى ذلك، عودة الإصلاحيين إلى الواجهة تكتمل الصورة، يجب عدم الاستهانة مطلقاً بمداخلة الرئيس السابق محمد خاتمي و"الذئب الرمادي" عبدالله نوري الذي أمضى ست سنوات في السجن.
مجرّد أن يطالب خاتمي ونوري السلطة بـ"النظر إلى الحركات المطالبة بالحرّية في المنطقة بما فيها سوريا بما يتوافق مع المصالح القوميّة والقيم الدينية"، يعني أنّ موقف السلطة من سوريا ودعمها للنظام الأسدي مطروح شعبياً وسياسياً. لا يمكن لطهران الاستمرار في دعم النظام الأسدي إلى درجة التضحية بمصالحها القومية. لا يمكن لطهران نقل المنافسة بينها وبين تركيا إلى درجة المواجهة الكاملة. لا يمكن لإيران أن تستمر في موقفها الداعم للنظام الأسدي بما يهدّد بصراع سنّي علوي. إيران تاريخياً ليست من الدول التي تلعب "الروليت الروسية" من أجل أي دولة أو قوّة. تستطيع أن تفاوض على العراق وأن تضغط في الخليج، لكن من دون أن تصل إلى درجة كسر الزجاج مع محيطها. قيامها بذلك يعني أنّها تُقدم على الانتحار. والدول الكبرى على الصعيد الاقليمي مثلها مثل الدول الكبرى دولياً لا تنتحر من أجل الآخرين.
الجيش العربي السوري مُطالَب بالانحياز إلى الشعب السوري.
الحرب مفتوحة، المهم مَنْ يربح المعركة الأخيرة وليس مَنْ يربح معارك