نشرت صحيفة le réveil اللبنانية في شهر حزيران من العام 1979، اي من حوالى الثلاثين سنة، تقريراً ديبلوماسياً سرياً، يرتبط باستراتيجية دولية متقاطعة بين الولايات المتحدة من جهة، وبين الاتحاد السوفياتي في حينه من جهة أخرى، ويتناول شكلاً جديداً لمنطقة الشرق الاوسط، من الضرورة بمكان تذكّر بعض خطوطه.
– تقسيم العراق الى ثلاث دول، كردية شيعية وسنية.
– تقسيم سوريا الى ثلاث دول، علوية وعاصمتها اللاذقية، درزية في جبل الجولان، وسنية وعاصمتها دمشق.
– ضمّ حلب ودير الزور الى تركيا.
– اقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية وكونفديرالية مع الاردن.
– اقامة دولة مسيحية في جبل لبنان من القبيات الى جزين.
نعرض هذا المقتطف من التقرير، وكأن الماضي يشبه الحاضر، ولان الاستراتيجيا قلما تتغير لدى دول القرار، ولو اختلفت التكتيات وطال زمن التطبيق، او تقدمت صراعات كبرى على اخرى ثانوية بنظرها. (اسقاط المنظومة الشيوعية والاتحاد السوفياتي مثلاً)
ولأن التاريخ يستعيد بعض معالمه ولو بصور مختلفة نتيجةً لثبات الجغرافيا، فان ما يحصل في هذا الشرق يؤشر نحو اتجاهين مختلفين، اولهما تمكن الثورات العربية من كسر حلقة الفراغ السائد في قلب العالم العربي، واعادة تنظيم اولويات القرار بعيداً عن الاحتكارات الايرانية-التركية-الاسرائيلية، هذا المثلث الذي يتصارع تحت المظلة الاميركية على قلب الهلال الخصيب، يضعف كلما قوي القلب والعكس. وهو المثلث التاريخي الممتد من بلاد فارس سابقاً الى الامبراطورية العثمانية، مع دور مستجد وبحجم منتفخ "للعبرانيين".
وثانيهما اثبات الثورات نفسها وقدرتها على احياء الديموقراطية، بالمفهوم الدولاتي الاوروبي وتحت عنوان "الشعب يريد"، اي كل الشعب بكل اتنياته وطوائفه، ومن دون اي امكان لنجاح تقاسم جغرافي على حساب صراع سياسي وطوائفي -حتى الآن على الاقل- وفي كامل قلب العالم القديم؛ اي في تونس وليبيا ومصر واليوم اليمن وسوريا، وقد تنتقل عدوى الحرية الى سواها.
الا ان تمكُّن الثورات تلك من اثبات ذاتها ووحدتها، لا يعني ان المشروع المذكور قد انتهى، او ان امكانات "سايكس-بيكو" جديد اشتهر باسم مشروع كوندوليزا رايس للفوضى البنّاءة او الشرق الاوسط الجديد، قد زال ودخل مرحلة انتهاء الصلاحية. انما يتأرجح هذا المشروع، بين ديموقراطيات نفعية استهلاكية ضمن الحدود الحالية للدول (الشرق الاوسط الجديد) وبين دويلات جديدة تعبّر فيها الاتنيات والطوائف عن ذاتها اكثر، وفقاً لفيديراليات او كونفديراليات سياسية، كيفما تقضي الحاجة.
لكن الاهم من كل ذلك، ان تصلّب بعض الديكتاتوريات وصلفها في عدم التجاوب مع الشعب ومع ما يريد، قد يساهم في البديل الاستراتيجي، بينما تراخي أخرى (مصر وتونس مثلاً) قد سهّل ويسهّل اعادة تنظيم الحياة، ودفع الشعب اكثر نحو ما يريد.
قلب العالم القديم يغلي على مخاض ولادة جديدة أكيدة، وعادةً ما تجمعت امبراطوريات عديدة عليه وفيه، ولكن عندما كان ينتزع بقوته الذاتية حريته، كان يبني مجداً يتفوق على كثيرين.