#adsense

لماذا استفزّ «سيّدة الجبل» مسيحيّي النظام السوري؟

حجم الخط

بمجرّد أن أدّى لقاء سيّدة الجبل الى استفزاز مشاعر المسيحيّين الخائفين على النظام السوري إلى هذه الدرجة، فإنّه يكون قد حقّق نجاحا غير متوقّع وبالغ الدلالة.

حلفاء النظام السوري بدأوا يشغّلون ماكينات التشويه بحقّ هذا اللقاء حتى قبل ان يولد القرار بعَقده، فمند اللحظات الاولى سرّبوا أخبارا عن تمويل سعد الحريري للّقاء، طبعا في موازاة أخبارهم عن إفلاس الحريري في آن واحد. وعندما سقطت التسريبات كسقوط مطلقيها، عادوا وروّجوا لنظرية انّ هذا اللقاء سيؤدّي الى انقسام المسيحيّين بعد ان نجح البطريرك الراعي في توحيدهم عبر عقد اللقاء الرباعي، غير انّ هذه المعادلة وُلدت ميتة، لأنّ ما رآه المسيحيّون من انقسام وتبادل للشتائم والحملات الإعلاميّة على مستوى القاعدة والقمّة بعد هذا اللقاء تخطّى كلّ ما سجّلته ذاكرة المسيحيّين من شتائم متبادلة وحروب إعلامية قبل اللقاء.

ولمّا فشلت نظريّة انقسام المسيحيّين، عاد هؤلاء الى محاولة تصوير اللقاء وكأنّه موجّه ضدّ البطريرك بشارة الراعي، وهي محاولة أحبِطت ايضا، لأنّ أيّا من المنظّمين لم يتمّ ضبطه متلبّسا بجريمة انتقاد البطريرك الراعي، لا بل على العكس، فقد حرص هؤلاء على تجميد كلّ تباين مع البطريرك، وعلى تسليط الضوء حصرا على الالتزام بوثائق الكنيسة من النداءات المتتالية الى مقرّرات السينودس الى مضمون ما كان يقوله المطران الراعي وبعض ما قاله حين اصبح بطريركا.

وبناء على ذلك، فإنّ كلّ ما تبقّى لدى المتضرّرين من انعقاد لقاء سيّدة الجبل في أحد الفنادق الكسروانية، هو الشعور بالزهوّ لأنّ راهبات الدير لم يردنَ استضافة اللقاء، وهو شعور مؤقّت وسيزول حتما كلّما اقترب الموعد، حيث سيرى المهتمّون بموقف المسيحيّين في الثالث والعشرين من الجاري مشهدا يليق بالمسيحيّين اللبنانيين والعرب، حيث ستقال الكلمة التي لا يخجل اصحابها من قولها، وستعلن المواقف التي تشكّل السياق المتناغم مع تاريخ المسيحيّين ورؤيتهم لأهمّية دورهم في هذا الشرق، تماما كما قال البطريرك الماروني امس في احدى الولايات الاميركيّة.

وسيشاهد المنزعجون من لقاء دار سيّدة الجبل "وبكلّ أسف" استجابة عربيّة اعلاميّة غير مسبوقة لتغطية هذا اللقاء الذي سيعبّر عن حقيقة الموقف المسيحيّ من الربيع العربي وهي حقيقة لم تمتزج لا بخوف أقلّوي، ولا باستجداء حماية من نُظم الاستبداد، هي حقيقة مقترنة برسوخ ارتباط الوجود المسيحيّ في الشرق بقيم الحرّية والديموقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان.

وسيشاهد المنزعجون من لقاء دار سيّدة الجبل كيف سيرسل المجتمعون التحيّة العابرة للحدود الى الشعوب العربية التي خلعت أنظمة الاستبداد، والتي تستعدّ لخلعها، تحيّة الأمل المشترك بالنجاح الذي تحقّق والذي سيتحقّق، ويتوّج بانتقال ديموقراطي في العالم العربي يؤسّس لحقبة جديدة على أنقاض تراث القرون الوسطى.

وسيكون من دواعي السرور لمنظّمي لقاء سيّدة الجبل والمشاركين فيه أن يردّ اصحاب نظرية تحالف الاقلّيات، بمؤتمر يجمع من احتفلوا ظرفيّا بسقوط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، والذين عادوا وندموا على ما قاموا به بعد وصول الربيع العربي الى سوريا، مؤتمر ترفع فيه صور القادة الذين أسقطهم شعوبهم، والذين يسقطهم قريبا، كأيقونات حارسة لمسيحيّي الشرق.

على الأرجح لن يجرؤ هؤلاء على ارتكاب هذه المخاطرة التي ستذكّر اللبنانيّين "بخليّة حمد" ولكن إن فعلوها، فإنّ لقاء سيّدة الجبل يكون قد فاق بنجاحه كلّ تصوّر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل