شكل تاريخ 13 تشرين من العام 1990 محطة داكنة السواد في تسلسل المراحل السياسية والسيادية اللبنانية عموماً ولنبض الكيانية المسيحية خصوصاً .
تكشفت تلك المحطة عن ثلاث حقائق دامغة ومفصلية أبرزتها الوقائع المتعاقبة ونقشتها في ذاكرتنا كالآتي:
الحقيقة الأولى: إعراض سوريا الجازم منذ العام 1943 عن مفهوم سيادة لبنان وقيامه كدولة بالرغم من تمتعه بنظام دستوري تثبتت ركائزه في برتوكول 1864 تزامن مع إفتقار الأخيرة لمثيله حيث كانت مقسمة لأربع ولايات في ظل السلطنة العثمانية.
إمعان سوريا المستميت بوضع اليد على لبنان كان ولا يزال بمقدمة طموحاتها والأكثر إلحاحاً لتطبيقه مما حتم على اللبنانيين وبخاصة منهم من ينتصر للمفاهيم السيادية والكيانية والترسخية، النضال المستمر والمضي بأشكاله السياسة والدموية لعدم تمكين سوريا من تنفيذ مآربها.
إطلاق سوريا العنان لنهمها المتأجج بضم لبنان على نحو شابه الفتوحات الوحشية الغابرة، بتدمير إنسانية الإنسان وإلغاء المبادرة لديه وصولاً الى إحتوائه، وما يجري اليوم في سوريا هو خير دليل، لا بل هو مرآة الحاضر للماضي تعكس ما تختزنه الذات السورية من مجاهل تصارع الحضارة ، ومن إجرام يصرع الحق الإنساني.
الحقيقة الثانية: وددنا إسدال الستار عليها طويلاً غير انها إستحالت كالجثة القابعة في ضمائرنا، ولأن مساكنة الجثث وعبقها يفوق الطاقة والقدرة، نقاربها اليوم حقيقة علقمية المرارة لجنرال هو صاحب الفرادة في تجريم الآخرين محتكراً الندرة بين أترابه من القادة الأشاوس ويحجم عن الاضاءة على تلك الحقيقة الموجعة ومعرضاً عن سرطان تمدد في الجسم اللبناني وتآكله وصولاً الى تدمير وإحتلال المقار السيادية آنذاك كالقصر الجمهوري ووزارة الدفاع وغيرهما.
نواجه اليوم ايضاً إصرار الجنرال على تجهيل الفاعل الحقيقي كونه يبادله المودة ويمحضه ثقة التفاعل والتكامل حتى أمسى الأخير يشكل رمز رموز النظام السوري في الداخل اللبناني.
نستحضر اليوم ذكرى 13 تشرين من العام 1990 ليس لنكء الجراح، بل لأجل التدقيق في التاريخ المترابط الفصول والأيام وإماطة اللثام عن مسيرة من إفترض نفسه عظيماً حيث لم يتورع من إستخدام المسيحيين كوقود لبساط ريحه حائكاً لنرجسيته علائق وصولات بين الشام وطهران، لم يألفها المسيحيون أنفسهم في ثوابتهم الوجودية ولا في تراثهم الأخلاقي.
نشهر ويلات تلك الذكرى وأهوالها الأخوية في وجه من إستهوته يوماً هزهزة مسامير طاغية الشام، وعدل بعدها مستعيضاً عنها بالحج الى " براد" بذمية تكمّ الأنوف كأني به يحسب الموارنة قطع غيار ينسبهم ويرجعهم مكانياً وإيمانياً كما يحلو له ولمصالحه، كيف لا وقد حجز لنفسه صدارة المرجعية المشرقية للمسيحيين قاطبةً بعد ان جرّعهم مرارة الهزيمة التي بدت لهولها في المرتبة الثانية بعد سقوط بيزنطية ذلك قبل ان يدبر الى السفارة الفرنسية ويفي قسطه للعلى.
الحقيقة الثالثة : تهاوت نظرية تحالف الأقليات وإستحالت أضغاث أحلام لمطلقيها من بين المسيحيين عموماً وفاقهم بعض الموارنة جنوحاً إاليها، خصوصاً الذين سوّقوا لإعادة التموضع التاريخي إلتصاقاً بالنظامين العلوي السوري وولاية الفقيه الشيعية الإيرانية.
تحوي تلك النظرية عناصر تشققّها ذاتياً لشدة ما ساقه النظام العلوي بحق الموارنة والمسيحيين لحوالى أربعة عقود خلت، وليس لوضوح ما يخطط له "حزب الله" الشيعي المذهب لبسط سيطرته على كل لبنان فحسب، بل وقد أفرج سابقاً عن رغبته في إستعادة مناطق المسلمين في جبيل وكسروان "وقد أتاها المسيحيون غزاةً" كما ورد على لسان أمينه العام.
تفتقر النظرية إياها الى الصفاء التاريخي في العلاقة بين مكوناتها المفترضة، بفعل الصنيع العلوي وفصوله المريرة بحق مسيحيّي لبنان ومن بينهم قلة علّقت ذاكرتها وماشت الاحتلال السوري خدمةً للموقعيات الفردية والنفعيات الدونية، أما الذاكرة الجماعية تفيض بمدونات ذهنية آليمة لمآثر ذلك الاحتلال نوردها تباعاً:
إغتيال قادة المسيحيين والتسبب بحرمان قواعدهم الشعبية من معاقرة الأمل ومساكنة الإستقرار.
قتل وخطف رهبانهم وقساوستهم بعد هدم أديرتهم وكنائسهم.
أكراههم على الهجرة إلى أصقاع المغتربات وتهجيرهم في وطنهم.
قصف مدنهم ومناطقهم وتدمير مدارسهم ومنازلهم ودور عبادتهم فوق رؤوسهم.
زج رموزهم في السجون وتغييب وإعتقال مناضليهم قسراً في المعتقلات السورية.
نفي قادة الرأي والسياسة بينهم، إفساحاً بإبراز الهامشيين الموالين للنظام السوري.
الاتيان بالنكرات السياسية للمسيحيين بعد إقصاء الهامات الكبيرة التي يركن إليها هؤلاء ويمحضونها الثقة وبالتالي يطمئنون تاريخياً لادائها السيادي.
لأن دماء شهدائنا التي أهرقت من مدنيين وعسكريين تستصرخ ضمائرنا ولأنها تقضّ وجدان من آثر المداعرة السياسية، فمارس النقيضين في العداوة والعمالة للنظام السوري تبعاً لمآربه، نطالب الأمم المتحدة بهيئة تحقيق متخصصة تحدد المسؤوليات الجرمية لتلك الواقعة الهمجية ليوم السبت الواقع فيه 13 تشرين الأول 1990، فيظهر جلياً صلف الإحتلال وإستهتار القائد .