الإثنين الرّابع بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منْ مارِ أَفرامَ السُّريانيّ (+373) نشيدُ شكرْ (الدِّياتِسَّرون، صلوات 7)
على نقصِ أَفعالِ شكرِنا، تعبدُكَ في كلِّ شيءٍ من أَجلِ حبِّكَ الشَّامل. إِنّكَ تُميِّزُنا الواحدَ عنِ الآخرِ بأَشكالٍ غيرِ منظورة، مرتبطةٍ جوهريًا بٱلشَّكلِ الآدميِّ الواحد، لئلَّا يقلقَ عقلُنا منْ كثرةِ الرُّبُط. إِنَّنا نعبدُكَ، يا من جعلتَنا في العالمِ وأَعطيتَنا أَن نسيطرَ على كلِّ ما فيه، وتُخرجُنا منهُ ساعةَ لا نعلم. إِنَّنا نعبدُكَ يا من جعلتَ الكلمةَ في أَفواهِنا، لكي نستطيعَ أَن نسأَل. إِنَّ آدمَ يدعوكَ وهو يرقدُ وذرِّيَّتَهُ بسلام. فإِنَّهم جميعًا مُفيدونَ منْ نعمتِكَ. تُمجِّدُكَ الرِّياحُ عندما تسقطُ المياهً رذاذًا.
تمجِّدُكَ الأَرض، تفتحُ أَحشاءَها وتُعطي ثمارَها في مواسمِها. تمجِّدُكَ البِحارُ بأَفواهِ أَمواجِها، إِذ تُعلنُ أَصواتَها أَنَّكَ مُلجِمُها. تمجِّدُكَ الأَشجار، يُرغِمُها نسيمُ الرِّيحِ على الإِزهار والإِثمار. تمجِّدُكَ النَّباتاتُ بأَنواعِها والزُّهورُ بأَلوانِها، وهي تمتصُّ المطرَ وبخارَ النَّدى فيرويها. تجمَّعتْ وتوحَّدتْ أَصواتُها على تمجيدِكَ، تشدُّ الواحدَةُ الأُخرى، مغمورةً بجملةِ الخيرات، ومتَّحدةً بسلام، تباركُكَ، تعاونتْ جميعُها تكوِّنُ فعلَ تمجيدٍ لك.
فعلينا أَن نسيرَ نحوكَ بملْءِ إِرادتِنَا، وعليكَ أَن تمطُرًنا قليلًا من ٱمتلائِكَ، فتهديَنَا حقيقتُكَ، ويزولَ ضَعفُنا. فمن دونِ عطيَّتِكَ لا نستطيعُ أَن نصلَ إِليكَ، يا ربَّ العطايا.
الرّسالة: رؤ 15: 1-8
1 ورأيت آية أخرى في السّماء عظيمة وعجيبة، سبعة ملائكة، معهم الضّربات السّبع الأخيرة، لأنّه بها تمّ سخط الله.
2 ورأيت مثل بحر من زجاج مختلط بنار، والظّافرين على الوحش وعلى صورته وعلى عدد ٱسمه واقفين على بحر الزّجاج، ومعهم قيثارات الله،
3 وهم يرنّمون ترنيمة موسى عبد الله، وترنيمة الحمل قائلين: "عظيمة وعجيبة أعمالك أيّها الرّبّ الإلٰه الضّابط الكلّ! إنّ طرقك عدل وحقّ، يا ملك الأمم!
3 من لا يهابك، يا ربّ، ولا يمجّد ٱسمك؟ لأنّك وحدك قدّوس! لأنّ جميع الأمم ستأتي وتسجد أمامك، لأنّ أحكامك قد ظهرت!"
4 وبعد ذٰلك رأيت، ففتح هيكل خيمة الشّهادة في السّماء،
5 وخرج من الهيكل الملائكة السّبعة ومعهم الضّربات السّبع، لابسين كتّانًا نقيًّا برّاقًا، ومتمنطقين عند صدورهم بأحزمة من ذهب.
6 وواحد من الأحياء الأربعة أعطى الملائكة السّبعة سبع كؤوس من ذهب، ملأى من سخط الله الحيّ إلى أبد الآبدين.
7 فٱمتلأ الهيكل دخانًا من مجد الله وقدرته، وما كان أحد يستطيع أن يدخل الهيكل حتّى تتمّ الضّربات السّبع من أيدي الملائكة السّبعة.
شرح آيات الرّسالة:
1 أح 26/21؛ رؤ 15/6.
آية في السّماء عظيمة وعجيبة: الآية العظيمة، نقيض آية التّنّين، في الفصل 12، هي المرأة، والدة المسيح، رمز الكنيسة شعب الله. أمّا هنا فهي حكم الله المبرم، وأعماله العظيمة العجيبة نفسها (15/3).
سخط الله: هو حكمه وجزاؤه، الّذي ٱبتدأ يُعلَن للعالم أجمع (راجع شرح 14/10-11)، بعد أن أُعلِن في صَلْب يسوع الدّامي.
2 رؤ 4/6؛ 7/9؛ 13/15-18.
بحر من زجاج مختلط بنار: (4/6). البحر المختلط بنار ٱنعكاس لمجد الله، ورمز إلى حكمه الآتي وسخطه العاجل. فيه يرى شراحٌ إِشارةً إلى البحر الأحمر والخلاص الّذي تمّ بموسى، ورمزًا إلى العماد الّذي تمَّ فيه الخلاص بالمسيح (1 قور 10/1-2).
الظّافرين: هم الكنيسة المنتصرة، أي جماعة المختارين المخلَّصين (7/9-17)، في السّماء، تشجيع للكنيسة المتألمة على الأرض.
على الوحش وعلى صورته وعلى عدد ٱسمه: حرفيًّا "من الوحش ومن صورته ومن عدد ٱسمه"، تشديد على نجاة الظّافرين من سلطان الوحش. ويبقى الظّافر المسيح وحده. نجد العناصر الثّلاثة "الوحش، وصورته، وٱسمه" (13/17؛ 14/9، 11؛ 20/4).
3-4 نشيد شعريّ رائع، أبدع الكاتب في تركيبه من آيات مزموريّة ونبويّة عدّة (مز 111/2؛ 139/14؛ عا 4/13 السّبعينية: مز 145/17؛ إر 10/7؛ مز 86/9-10). لا يستعير الكاتب آية واحدة من ترنيمة موسى (خر 15)! فهو نشيد تمجيد، لا نشيد ظفر، يُشرّع باب الخلاص واسعًا على العالم أجمع (آش 2/2-4؛ 25/6-9؛ 49/6؛ 56/7؛ زك 14/9)، بعد إعلانه ليوحنّا (1/17-18)، وللكنيسة (2-3)، ولإسرائيل (11).
3 خر 15/2-19؛ مز 92/5؛ 98/1؛ 111/2؛ 139/14، 145/17؛ عا 3/13؛4/13؛ رؤ 1/8؛ 4/8؛ 11/17؛ 16/7، 14؛ 19/6، 15؛ 21/22؛ تث 32/4؛ إر 10/10؛ طو 13/7، 11.
مثاليّة موسى والمسيح لم ترد في الرّؤيا إلّا هنا. ترنيمة موسى بدء الخلاص، وترنيمة الحمل المسيح هي الذُّورة.
ملك الأمم: في المجلّد السّينائيّ المصحَّح، والإسكندريّ، ومجلّدات كبرى وبعض ترجمات قديمة وآباء. في ترجمات أخرى قديمة "ملك جميع الأمم". في البرديّ 47، والمجلَّد السّينائيّ الأصليّ، والأفراميّ، ومجلدات كبرى وترجمات قديمة عدّة "ملك الدّهور" (1 طيم 1/17). وفي مجلَّدين كبيرين "ملك القدّيسين".
4 إر 10/6-7؛ مز 86/9؛ ملا 1/11.
5 خر 25/22؛ 38/21؛ 40/34؛ رؤ 11/19.
هيكل خيمة الشّهادة: يَجمَع الكاتب هنا "هيكل الله" (11/19)، والمسكن (13/6)، غير آبهٍ انفتاح الهيكل سابقًا (11/19).
6 أح 26/21؛ رؤ 15/1؛ 19/8.
كتّانًا: لم ترد اللّفظة في الرّؤيا إلّا هنا، ومرّة واحدة في باقي العهد الجديد (متّى 12/20). يخرج الملائكة بٱحتفال مهيب، وعليهم ثياب نقيّة تعكس نقاوة الله، ليس فهم غريزة ٱنتقام، بل هم مستعدّون مطيعون لأوامر الله.
8 مز 75/8؛ آش 51/17، 22؛ إر 25/15؛ رؤ 14/8، 10؛ 16/19.
سبع كؤوس من ذهب: بعكس الكؤوس الملأى عطورًا (5/8)، إنّ هٰذه الكؤوس ملأى من سخط الله (راجع شرح 15/1).
8 خر 40/34-35؛ 1 مل 8/10؛ آش 6/4؛ حز 44/4؛ 2 أخ 5/13-14. هنا الذّروة في سخط الله، حيث لا يعود يسع أحدًا أن يدخل الهيكل؛ وهنا أيضًا الذّروة في ٱعتلان مجد الله (خر 19/18؛ 1 مل 8/10-11؛ 33/18-23؛ 2 أخ 7/1-3؛ آش 6/4؛ 65/5؛ حز 10/4؛ 44/4). أخفى إرميا المسكن والتّابوت ومذبح البخور، في كهف، وأنبأ أنّ الموضع سيبقى مجهولًا حتّى آخِر الزّمان، يوم يجمع الله شمل شعبه ويرحمهم، وحينئذٍ يبدو مجد الرّبّ والغمام، كما ظهر في أيّام موسى وسليمان (2 مك 2/8).
الإنجيل
يو 12 :20-28
يسوع يُنْبِىء بِمَوتِه وقيامَتِهِ
20 وكانَ بينَ الصّاعدينَ ليَسْجُدوا في العيد، بعضُ اليونانيِّين.
21 فدنا هٰؤلاءِ مِنْ فِلِبُّسَ الّذي من بيْتَ صيدا الجَليل، وسألوهُ قائلين: "يا سيِّد، نُريدُ أن نَرى يسوع".
22 فجاءَ فِلبُّسُ وقالَ لأندراوُس، وجاءَ أندراوسُ وفِلِبُّس وقالا ليسوع.
23 فأجابَهُما يسوعُ قائلًا: "لقَد حانَتِ السّاعة لكَي يُمَجَّدَ ٱبن الإنسان.
24 ألحَقَّ الحقَّ أقولُ لَكم: إنَّ حبَّة الحِنطة، إن لَم تَقَع في الأرضِ وتَمُتْ، تبْقى واحِدة. وإنْ ماتَتْ تأتي بثمَرٍ كثير.
25 من يُحِبُّ نَفْسَهُ يَفْقِدُها، ومَنْ يُبْغِضُها في هٰذا العالَمِ يحْفظُها لِحَياةٍ أبَديَّة.
26 من يَخْدُمني فلْيَتْبَعني. وحيثُ أكونُ أنا، فهُناكَ يكونُ أيضًا خادِمي. من يخْدُمني يُكَرِّمْهُ الآب.
27 نفسي الآن مُضطَرِبَة، فماذا أقول؟ يا أبَتِ، نجِّني من هٰذهِ السّاعة؟ ولٰكن مِن أجْلِ هٰذا بَلَغْتُ إلى هٰذه السّاعة!
28 يا أبتِ، مَجِّد ٱسْمَك". فجاءَ صوتٌ مِنَ السّماءِ يقول: "قدْ مَجَّدتُ، وسأُمَجِّد".
شرح آيات الإنجيل:
20 يو 11/55؛ رسل 8/27؛ 24/11.
يونانيّين: كان بعض اليونانيّين، أو بعض من تثقّفوا بالثّقافة اليونانيّة من غير اليهود، وٱستوتهم عبادة الإلٰه الواحد الحقّ، إلٰه إسرائيل (رسل 17/4)، يشاركون اليهود في عيد الفصح. وكانون يُدعون "أتقياء" و"خائفي الله" (رسل 102، 22، 35؛ 13/26). حضور هٰؤلاء اليونانيّين الوثنيّين في أورشليم، وإقبالهم على يسوع، دليل على أنّ بشارة يسوع قد بدأت تجوز العالم اليهوديّ إلى العالم الوثنيّ (يو 7/35؛ 4/35-38).
21 يو 1/44؛ 7/34؛ 12/32؛ لو 19/3؛ 23/8
23 يو 2/4؛ 7/39؛ 13/31-32؛ 17/1؛ متّى 8/20.
24 آش 53/10-12؛ متّى 16/21؛ روم 14/9؛ 1 قور 15/36.
تأتي بثمر كثير: حرفيًّا "حملت ثمرًا جمًّا". تشبيه كلمة الإنجيل بالزّرع تشبيه مألوف (مر 4/3-9، 26، 31)، وقد شبّه علماء النّاموس وبولس الجسد بالزّرع ( 1قور 15/35-44): تموت الأجساد كالزّرع ثمّ تقوم. موت يسوع باب قيامة جديدة، وجمع لجميع الشّعوب في شعب واحد.
25 متّى 10/39؛ 16/25؛ مر 8/35؛ لو 9/24؛ 17/33.
26 يو 7/34؛ 14/3؛ 17/24؛ متّى 16/24.
27-30 يهمل يوحنّا صلاة يسوع في جتسماني (متّى 26/36-46؛ مر 14/32-42؛ لو 22/39-46). إنّما هٰذه الآيات صدى لتلك الصّلاة: قلق لدى الموت، وٱستغاثة الآب، ورضوخ لمشيئته، وتشجيع الآب ابنه.
27 يو 11/33؛ 13/21؛ 16/21؛ 18/11؛ مز 6/3؛ 42/5، 11؛ متّى 26/38؛ مر 14/34؛ لو 22/40-46؛ عب 5/7-8.
29 يو 17/5؛ متّى 3/17؛ 17/5؛ مر 1/11؛ 9/7؛ لو 3/22؛ 9/35.
مجّد ٱسمك: يُمجّد ٱسم الآب، أي الآب نفسه، إذ يظهر أنّه الآب: جاد بٱبنه حبًّا للبشر، وأقامه من الموت إلى المجد حيًّا.
مجّدت، وسأمجّد: مُجّد الأب في آيات يسوع ورسالته الخلاصيّة (2/11؛ 5/36؛ 10/38؛ 11/4، 40)، وسيُمجّد بقيامته (13/31-32؛ 17/1؛ 14/10)، وإعطائه الرّوح القدس للتّلاميذ والكنيسة.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.