#dfp #adsense

“النهار”: انقلاب أحوال الحدود الشمالية مع سوريا

حجم الخط

كتبت صحيفة "النهار": منذ بداية الحراك الشعبي في سوريا، في 15 آذار الماضي، بدأت اللعبة على الحدود البرية الشمالية الشرقية، بين لبنان وسوريا، تتغير عمّا كانت عليه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وتعاطف أبناء المنطقة الحدودية اللبنانية، لا سيما وادي خالد وجبل اكروم، مع النازحين السوريين الذين توافدوا على فترات متقطعة إلى قرى هذه المنطقة وبلداتها، ظاهر ولا يُخفى على أحد. وليس صلات القربى والنسب السبب الوحيد في ذلك.

منذ بداية الأحداث في سوريا سعت السلطات السورية الى ضبط الحركة الحدودية، لا سيما "التهريب" الذي يُعد أساس إقتصادات تلك المناطق الحدودية، وخصوصاً وادي خالد، مع انعدام فرص العمل أمام أبنائها الذين تنتشر الأميّة بينهم، والغالبية منهم لم تُكمل دراستها ولم تُفتح أمامها أبواب الوظيفة الرسميّة، باستثناء بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية. حتى بات هناك جيل كامل عاطل عن العمل تضيق به السبل.

يترجم التشدّد الحدودي اقتحاماً عسكرياً سورياً لهذه البلدة أو تلك المنطقة. وليس آخرها دخول الجيش السوري منطقة تلكلخ والقصير والهيت والبويت، إضافة إلى عمليات اطلاق النار على المعابر الحدودية، لا سيما في قريتي حلات السورية وجانين اللبنانية.

أما الحادث الابرز والذي وصف بـ"العرضي وغير المقرر" فهو اطلاق النار من عناصر الهجانة السورية، الذين عبروا الى الداخل اللبناني عبر خراج بلدة المونسة في جبل أكرم، متعقبين عدداً من الرعاة للاشتباه في كونهم مسلحين. فقد اسفر عن ذلك إعتداء على دورية راجلة للجيش اللبناني واعطاب آلية عسكرية. هذه الحوادث المتكررة اعتبرتها مصادر حدودية متابعة مؤشراً عمّا يمكن أن تؤول إليه الأمور في حال تطورت الأوضاع دراماتيكياً. ويؤكد أبناء القرى والبلدات اللبنانية الحدودية القلقون أن لا ليلة تمر إلا ويسمعون اطلاق نار كثيف داخل الحدود السورية، ولا تنجو البلدات اللبنانية من الطلقات "الطائشة".
وفي حين يشير مختار بلدة المقيبلة رامي خزعل إلى أن الأوضاع الحالية على طول الحدود "مستقرة" و"اطلاق النار الذي يتم هو داخل الأراضي السورية"، يرى أحمد العبدالله، أحد أبناء تلك القرى، أنها على العكس من ذلك، ويصفها بأنها "غير مطمئنة، وهناك خوف كبير لدى الأهالي". ورغم إطمئناننهم لوجود الجيش اللبناني والقوة المشتركة لضبط الحدود ومراقبتها إلا أن أصوات الرصاص والانفجارت المتكررة يومياً "لا توحي بالثقة عما ستحمله الأيام المقبلة"، يقول.

60 معبراً غير شرعي

تمتد الحدود البريّة، الشمالية الشرقية، بين لبنان وسوريا، على ما يزيد على نحو مئة كيلومتر. وإذا كانت الحدود واضحة في موازاة النهر الكبير من نبعه في قرية الحميرات إلى مصبه في منطقة العريضة على شاطىء المتوسط، فإنَّ هناك حدوداً متعرجة ومتداخلة كان يصعب معرفة ما إذا كانت هذه المنطقة أو تلك سورية أو لبنانية، إلى أن أقامت السلطات السورية أخيراً ساتراً ترابياً بعرض ثلاثة امتار وبارتفاع نحو 6 أمتار ويتجاوز طوله 30 كيلومتراً من أعالي منطقة جبل أكروم مروراً بقرى حنيدر والكنيسة وقرحة حتى محلة الحميرات، بهدف الحد من عمليات التهريب في هذه المنطقة الوعرة.

ويرى متابعون أن التدابير الامنية المتخذة حالياً على جانبي الحدود "تمكنت من ضبط الحدود بنسبة كبيرة، رغم بعض الخروق على هذا الصعيد، اذ ان طول الحدود البرية وتعرجاتها وتداخلها في اماكن كثيرة قد تتخلل نقاط ضعف وثغراً يتم النفاذ منها بين الحين والآخر. وتشير مصادر متابعة إلى أن ما يزيد على 50 معبراً من أصل 60 معبراً غير شرعي قد أُقفل.

أما النقاط الثلاث الحدودية الشرعية، العريضة والعبودية وجسر قمار، فتشهد حركة عبور اعتيادية، حتى ان معبر العبودية غالباً ما يشهد ازدحام سيارات الشحن.

إنقلاب

إلى التوتر الأمني والخوف، إنقلبت أوضاع البلدات اللبنانية الحدودية رأساً على عقب، هذا ما يلاحظه الكثيرون من أبناء المنطقة التي كانت العملة السورية حتى عام 2005 الاكثر تداولاً، وفيها كانت تُباع وتُشرى المنتجات السورية. ونتيجة للاوضاع العامة في لبنان والحرمان الموصوف الذي تعانيه تلك المنطقة وسوء حال مقومات العيش فيها أو إنعدامها، توجّهت أنظار اللبنانيين إلى المدن والبلدات السورية القريبة، فصار الصغار تلاميذ في المدارس السورية، يقصدونها في الصباح ويعودون منها إلى بيوتهم عند المساء. والطرق ذاتها يسلكها الكبار الذين غالباً ما يعودون حاملين الموادهم الغذائية، بما في ذلك الخبز، وكذلك المحروقات والادوية، بل إن أبناء القرى اللبنانية الحدودية كانوا يأخذون مرضاهم للاستشفاء والمعاينة الصحية في العيادات والمستوصفات والمستشفيات السورية القريبة. مما يعني أن ثمة مشكلة كبيرة تنمو بصمت، ففي حين يبحث التلاميذ اللبنانيون الذين كانوا يدرسون في سوريا عن مدارس تستوعب أعدادهم، فإن وقف التهريب لا ينعكس على المهرّبين المتبطّلين هذه الأيام وحسب، بل يؤثّر سلباً في المواطنين الذين كانوا يستغلّون فارق العملة بين لبنان وسوريا ودغعم الدولة السورية العديد من السلع الغذائية والمعيشية فيؤمّنوا حاجاتهم بأسعار أقل.

اليوم، سُدّت المعابر والطرق، وغالبية السوريين الذي نزحوا إلى القرى اللبنانية يفضّلون البقاء حيث هم الآن لكونهم مطلوبين للسلطات الأمنية في بلادهم، ومن منهم يرغب بالعودة يصعب عليه ذلك عمليّاً، وإن لم يكن ذلك ليس مستحيلاً، لا سيما أن السلطات السورية استعادت الامساك بزمام المبادرة على الحدود الشمالية الشرقية، وأعادت فرض سيطرتها على القسم الاكبر من المناطق الحدودية الشمالية وعززت مواقعها التي كانت قائمة وأنشأت مواقع جديدة للجيش السوري ولم يعد الاتكال على عناصر الهجانة وحسب. وهذا تطور لم يكن قائماً في ما مضى.

مسألة إنسانية

رغم إنطلاق الدراسة في لبنان وسوريا، لم يُلحظ أي تناقص في أعداد النازحين السوريين، بما في ذلك الذين يقيمون حالياً وبشكل موقت في مدرسة العبرة الإسلامية في جبل المنصورة.

وعلمت "النهار" ان اجتماعات عُقدت نهاري الاثنين والثلثاء الماضيين في مركز الأمن العام في القبيات في حضور مخاتير القرى، وجرى خلالها الطلب إليهم تقديم بطاقات تعريف بالأسر النازحة وأعداد أفرادها. علماً ان وزارة الشؤون الاجتماعية والهيئة العليا لللاغاثة والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين أجرت احصاء لأعداد النازحين في منطقة عكار، رغم صعوبة إجراء هذا الاحصاء.

وتفيد تقارير جهات معنية أن عدد النازحين السوريين في منطقة عكار قد بلغ نحو 3500، القسم الاكبر منهم نزلاء الأسر في قرى وادي خالد وجبل اكروم، إذ تجمع بعضهم إلى بعض روابط عائلية.

وإذ يحرص المختار خزعل على التأكيد أن استضافة النازحين السوريين "مسألة إنسانية بحتة وهذه عادات ابناء وادي خالد"، يشدد رئيس بلدية مشتى حمود ناجي رمضان على أن أوضاع النازحين مأسوية. ويذكّر بأنه منذ 15 رمضان الماضي لم يسلموا مساعدات غذائية، باستثناء ما قدمته إحدى الجمعيّات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل