عندما تقفل ابواب سيدة الجبل في وجه مئات الناشطين السياسيين فيختارون فندقاً لخلوتهم، يتبين ان خوف صاحب الدير عميق، الى درجة أنه لا يتحمل ان تفتح ابوابه ونوافذه المغلقة بشتاء الشقاء العربي على ربيع التحرر العربي الذي تهب نسائمه لتصل الى ابعد اصقاع الدنيا، ما بين وول ستريت اميركا وبورما آسيا. لكن هذا الخوف الذي يقول صاحبه انه على المسيحيين اولا ومن نتائج الربيع ثانيا، لن يصنع امنا. ولن يتأخر الوقت حتى يتبين ان الاستبداد المهيمن هو المصدر الأعظم للخوف. وما نشهده هو اعراض هذا الوباء الذي لا شفاء منه الا بالحرية.
لم يقتصر اقفال الابواب في وجه الربيع على الدير وحده بل امتد قبل ايام الى الجامعة اللبنانية، وتكرس بتعيين الدكتور عدنان السيد حسين رئيسا لها وتطويب الادارة المشتركة لـ"حزب الله" وحركة "امل" لهذه المؤسسة التربوية التي يفترض ان تكون بعيدة كل البعد عن منطق المحاصصة الكريهة. فاذا بكل المعايير العلمية تتنحى ويتقدم الولاء السياسي عليها وتتوجه الاهانة اولا الى نحو 600 استاذ جامعي شيعي في الجامعة نفسها بالقول لهم: لا تضعوا في حسابكم المعايير الاكاديمية. اما اصحاب مقاليد الامور فهم اصحاب السمعة بأنهم "بائعو الشهادات". في حين ان "حزب الله" الذي انتهى منذ زمن كمقاومة ليصبح سلطة، لن يرف له جفن على مصير هذا الصرح العلمي. فهو يتصرف ازاءه كما تصرف بالامس حيال مركز الميكانيك بالحدت.
من طرد الربيع من الدير والجامعة يطارده من عرسال شرقا الى وادي خالد شمالا. وبين نظام يغتال الناشط الكردي مشعل تمو، وبين اتباعه في لبنان الذين اغتالوا الديموقراطية الوليدة بعد ثورة الارز هناك الكثير من الاسباب ليهب الربيع اللبناني مجددا وبعزيمة اقوى بكثير من 14 آذار 2005. ان الوقت قد حان لولادة المجلس الوطني اللبناني للانقاذ، لتتصل حلقات المجالس من شمال افريقيا الى غرب آسيا واحرار لبنان مدعوون الى اسقاط النظام الذي بناه الديكتاتور السوري. فما اتى به هذا الديكتاتور يجب ان يسبقه الى الرحيل او يسقطا معا. فأمجاد تشرين عام 1973 اصبحت اليوم جرائم ضد الانسانية في كل انحاء سوريا. و"الانتصار الالهي" في تموز 2006 صار مغانم سلطة وفساد ومشاريع يحظى بخيراتها كل من صنّف تابعاً لهذا الانتصار.
في الطريق الى اسقاط نظام التبعية ستسقط قريباً نظرية "لبنان ينأى بنفسه" فهي اهتزت قبل ايام في التصويت الاخير في مجلس الامن الدولي. وسيعلو صراخها قريباً في تمويل المحكمة.