#dfp #adsense

عندما تصبح بدعة “النأي بالنفس” نأياً بها عنها أيضاً!

حجم الخط

عندما ابتدعت الحكومة اللبنانية تعبير "النأي بالنفس"، سواء في مجلس الأمن الدولي أو في الجامعة العربية، هروبا من اتخاذ موقف واضح من الثورة الشعبية في سوريا، حاول البعض ابتلاع اللاموقف هذا تحت عنوان واحد هو عجز الحكومة عن اتخاذ قرار، لأسباب بعضها محلي يتعلق بهوية الحكومة وطريقة تركيبها، وبعضها الآخر خارجي يتصل بطبيعة العلاقة بين القوى الفاعلة فيها("حزب الله" أساسا ثم توابعه على الأرض وفي الحكم) وبين النظام في سوريا.

ومع أن هذا الموقف اللاموقف يتعارض مع دور لبنان التاريخي، حقوقيا انسانيا من ناحية ومبدئيا حضاريا من ناحية ثانية، فقد كان القول ان ليس في استطاعة لبنان، ولا في مصلحته الآنية، فتح أبواب جهنم السورية عليه يملك شيئا من التبرير الذي يمكن فهمه جزئيا وان لم يكن ممكنا قبوله في النهاية.

لكن نظام الرئيس بشار الأسد، على عادته في التعامل مع لبنان، نظر الى الوضع وقرأه من منظاره القديم اياه: يكون موقف لبنان سوريا أو لا يكون، واذا فاللاموقف هذا يعني اللاوجود بما يفسح في المجال للتصرف بالأرض اللبنانية، وعلى مداها شرقا وشمالا، وكأن لا شيء يقف في وجه الآلة العسكرية السورية فيها.

وهذا ما حدث عمليا في خلال الأسبوعين الماضيين، على أرض وادي خالد شمالا وعرسال شرقا، ثم ليتكرر توغل القوات السورية كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية واعتقالها وقتلها بعض الأشخاص وتخريبها للممتلكات أكثر من مرة.

لماذا؟!. قد تكون للنظام في دمشق أسبابه، خاصة في ظل ما يردده عن هروب ما يسميها بـ"عصابات مسلحة" من حملة القمع التي تشنها قواته المسلحة عليها، لكن ما لا يجوز أن يغيب عن البال أن له أسبابه اللبنانية كذلك، وفي رأسها "النأي بالنفس" الذي تبين لهذا النظام كما للبنانيين وللعالم كله – انه لا يقف عند حدود مجلس الأمن والجامعة العربية، بل يتعداها الى الداخل اللبناني بدليل عدم صدور كلمة واحدة (ولا حتى بيان من قوى الأمن أو الجيش) حول ذلك.

لكن هل هذا فقط؟!.

واقع الحال، أن العقوبات الدولية التي تفرض على النظام السوري تتصل عمليا ببدعة "النأي بالنفس" اللبنانية هذه، بل وتضعها أمام الامتحان اليومي، لا بالنسبة لملاحقة واعتقال وقتل المعارضين السوريين داخل الأراضي اللبنانية فقط، وانما أيضا والى جانب ذلك بالنسبة لما يوصف بـ"الرئة المالية والاقتصادية" التي يمكن أن يشكلها لبنان، أو بعض مؤسساته وأفراده وأحزابه ومصارفه، في مواجهة هذه العقوبات.

والتحذيرات الدولية المتعددة للبنان، علنا بلسان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في أثناء اجتماعها ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي في نيويورك، أو بلسان غيرها من الوزراء الأوروبيين في أكثر من مناسبة، ودبلوماسيا من خلال تعاميم البنوك المركزية في هذه الدول ومؤسسات حقوق الانسان في العالم، باتت حديث اللبنانيين ومصدر قلقهم بالنسبة للمستقبل.

كذلك هو الحال في ما يتعلق بالقرار الذي اتخذه نظام دمشق ثم تراجع عنه(هل تراجع عنه كما قيل، والى متى؟!) بوقف الاستيراد من لبنان، وبامكان وقف طريق الترانزيت مؤقتا أو بصورة دائمة، لأسباب أمنية، بين لبنان والدول العربية، وحتى باحتمال زيادة الرسوم على سلع الترانزيت(لتعويض ما يخسره، بسبب العقوبات، من العملة الصعبة).

هل تبقى بدعة "النأي بالنفس" هي سياسة الحكومة الدائمة، فيما لو تطورت الأمور الى أحد هذه الاحتمالات الواردة في أية لحظة؟.

أكثر من ذلك، فأخطار كبيرة جدا، سياسية ومالية ومعنوية على المستويين الدولي والاقليمي، ومالية واقتصادية اجتماعية وأمنية على المستوى الداخلي، تواجه لبنان في هذه المرحلة، وكلها يتصل الى هذا الحد أو ذاك بما يجري في سوريا منذ حوالي سبعة شهور حتى الآن. هذه التحديات تفترض من لبنان سياسة مختلفة جدا، ان لم تكن تقتضي وجود حكومة مختلفة بصورة كاملة… حكومة لبنانية هذه المرة.

وليس من المبالغة في شيء اعتبار أن التهديدات الأمنية التي طالت في الأيام الماضية مقر منظمة "الاسكوا" في قلب بيروت وقوات "اليونيفيل" في الجنوب، وكذلك التهديدات السياسية العلنية بفرط الحكومة في ما لو وفت بالتزاماتها المالية للمحكمة الدولية، فضلا عن الحوادث "الفردية" كما يقال! المخلة بالأمن هنا وهناك، ليست بعيدة بدورها عما يحدث في الداخل السوري.

بل وأكثر، فاذا كان في ما نشر عن اللقاء الاخير بين الرئيس الأسد ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بعض الصحة (بعضها فقط؟!) خصوصا في ما يتعلق بصواريخ "حزب الله" وتساقطها في تل أبيب في أقل من ثلاث ساعات، تكون الأخطار على لبنان أكثر من سياسية واقتصادية ومالية وأمنية. هي أخطار مصيرية بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

خلاصة القول أن سياسة "النأي بالنفس"، على تهافتها، لم تعد من النوع الذي يمكن أن ينأى بلبنان عن عواقب الحدث السوري. لقد باتت أشبه بـ"النأي بالنفس… عن النفس اللبنانية"، وعواقبها على لبنان مؤهلة لأن تصبح حاضرا ومستقبلا أكثر من أن تعد وتحصى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل