صراع الإرادات الفالت بين السلطة في دمشق والشعب السوري، قفز في اليومين الماضيين خطوات أساسية عوّضت أسابيع من المراوحة في ملعب المواجهة الممتدة على امتداد القطر السوري.
واستدراراً للدقة والابتعاد عن المبالغات والتلوين والتزويق، يُقال إن الأمر الحاصل منذ منتصف آذار الماضي صار أكبر من قصة صراع إرادات بين طرفين، كل واحد منهما يعرف ضمناً أنه ليس قادراً على الإطاحة بالآخر، في ظل الموازين القائمة: سلطة مدرّعة ومسلّحة شرسة وضيقة الأفق والخيارات، قامت من أساسها على تركيبة عمادها وأساسها الأمن، ثم "التضامن" الشبيه بذلك المركون عند قبائل أو عشائر. واعتمدت على أدوات تمويهية مثل الحزب الأكبر من العشيرة ـ الطائفة. ثم على سياسات إقليمية افترضت فيها علاجاً لمأزقها الداخلي السلطوي الأحادي النافر. وطورّت مع الزمن قاعدة ارتكازها باتجاه مجاراة العولمة لكن في النطاق المالي الضيق (وليس الاقتصادي العام) بحيث صار ذلك العصب عبارة عن حبل يربط مصالح أهل النظام وأخصامه المفترضين في دمشق وحلب أولاً وأكثر من غيرهما. وسّع ما افترضه شبكة الأمان، لكنه لم ينتبه في الوقت نفسه، الى أنه وسّع معها الفجوة التي تفصله عن عموم السوريين، أو الجزء الأكبر والأضخم منهم.
انتبه ربما وطنّش. أو ربما افترض من خلال حساباته المكابرة أنه قادر على معالجة أي خلل قد يطرأ… وأن المعطى التنموي المالي ـ الاقتصادي الذي دمّر المنظومة الاشتراكية من داخلها (علماً أن أحداً ما كان قادراً على تحطيمها من خارج من دون تحطيم الحياة على وجه الأرض)… لا يسري عليه. وأنه من الأساس لم يكن جُرماً يدور في الفلك السوفياتي كي يسقط عندما سقط مثلما حصل في دول أوروبا الشرقية… نظر الى ذلك السقوط الفظيع من زاوية سياسية وعسكرية واستراتيجية صحيحة ولكنها ضيّقة. وظّف وضعه الخاص والاستثنائي في المدار العربي لمحاولة التعويض على ما خسره من ذلك الانهيار. لكنه لم يقترب ولا مرّة واحدة من الأسباب الفعلية لما حصل، فكرر الخطأ القاتل نفسه: نسي أن الناس في هذا العالم ما عادت تستعيض عن جوعها بالشعارات، ولا بالنظريات الآخذة على عاتقها تغيير الدنيا فيما أصحابها لا يستطيعون بالكاد تغيير الأحذية التي ينتعلونها! كما لم ينتبه بطبيعة الحال، الى تلك الآليات الحداثية للتواصل التي ما عادت تسمح باستمرار سيادة منطق الريف المغلق الضيّق والمحصور حتى وإن كان مغلّفاً أو مموهاً بحزب تاريخي يتحدث عن بعث أمة ممتدة في الجغرافيا بقدر امتدادها في التاريخ.
مأزق ذلك النظام راهناً صار مقفلاً وللمرة الأولى في تاريخه. ما عاد قادراً على تفكيك نفسه بيديه، كما ما عاد قادراً على منع عموم السوريين الأحرار من تحطيمه. مثال غورباتشوف شاخص أمامه. كما أن مثال القذافي ليس بعيداً.
على الجانب الآخر، استنفد ثوار سوريا أو يكادون معظم آليات حراكهم المدني السلمي. لم يتمكنوا من إسقاط السلطة رغم نجاحهم في تحطيم نظامها. وفي الوقت نفسه ليس في وسعهم بعد الآن العودة الى بيوتهم. لكن الفرق الحاسم بينهم وبين سلطة دمشق هو أن مناخهم مفتوح ومناخها مغلق. هم في الحاضر والمستقبل وهي في الماضي. هم محور اهتمام العالم المجاور والبعيد، وهي محور جانب من ذلك العالم يبدو مأزوماً في واقعه أكثر منها.
ومثلما كانت الخطوات متوازية ولا تلتقي بين الطرفين على مدى الأشهر الماضية، فهي الآن متوازية أكثر فأكثر.
انتقلت السلطة الى مرحلة أمنية ـ عسكرية متقدمة، وانتقل الثائرون عليها الى مرحلة مشابهة ميدانياً وتنظيمياً وبمواكبة خارجية ستتوضح مفاعيلها شيئاً فشيئاً وفي وقت قريب جداً.
فات أوان التسوية والعودة الى الخلف. وصراع الإرادات صار ببساطة صراع حياة أو موت بكل آلياته وأدواته. ولا حاجة للتبصير والضرب في الرمل لمعرفة من سيكون المنتصر في هكذا صراع: سلطة سوريا أم شعبها؟
كما لا حاجة الى قراءة التاريخ القريب الخاص بانهيار امبراطورية السوفيات العظمى ومحلقاتها.. ولا بانهيار جماهيرية العقيد الليبي "العظمى" بدورها! كما لا حاجة للغوص كثيراً في سيناريوهات "يوم القيامة".
.. حتى تلك لن تمنع قلب الصفحة في الكتاب السوري المفتوح!