بصرف النظر عن النواحي الاجرائية المحتملة التي ستتخذها الحكومة في مواجهة الاضراب العمالي والنقابي في الاسبوع الطالع يمكن من الزاوية السياسية الاوسع ادراج هذا الاستحقاق في المرتبة الرابعة من ملفات كبيرة اساسية رسمت حتى الان مسار السياسات الحكومية الداخلية وهي الخطة الكهربائية ومشروع الموازنة والملف الاجتماعي وتمويل المحكمة الدولية. وفي مجمل هذه الملفات ولو ان معظمها لا يزال مطروحا على بساط البحث والمعالجة والبت بمهل زمنية متفاوتة، تبرز مفارقة التوازن السحرية التي تطبع التركيبة اللبنانية بكل وقائعها وتخضعها لأحكامها حتى حين يستتب ظرف سياسي داخلي او خارجي لمصلحة احد أفرقاء الصراع في لبنان.
ذلك ان هذه الحكومة التي استولدها ائتلاف الاكثرية الراهنة في ظرف خارجي أملى اسقاط تحالف 14 آذار و8 آذار في الحكومة الحريرية السابقة، اتبعت وتتبع في معالجة الملفات الاربعة سياسات فيها الكثير من نهج خصومها وحتى من مزيد تتجرأ عليه مثل الزيادات على الضرائب.
ولا يقف الامر عند حدود ما قد يحلو لقوى 14 آذار ان تعتبره تبرئة ذمة لسياساتها المالية والاقتصادية السابقة بل ان ازمة تمويل المحكمة المفتوحة داخل ائتلاف الحكومة الميقاتية استحضر الى صفوفها توازنا شديد الهشاشة لا يشبهه سوى توازن القوى المتموج بين 8 آذار و14 آذار على امتداد سنوات الصراع المفتوح منذ عام 2005.
والحال ان 14 آذار منيت منذ تشكيل الحكومة بسلسلة ضربات متعاقبة لم تبرز حيالها حتى الآن على الاقل نهجا مستشرفا بالقدر الكافي لتعويض خسائرها، مع ان كل الظروف العربية المحيطة بلبنان تعد مبدئيا لمصلحتها. كما ان 8 آذار ركبت سلطتها في لحظة حظ ضاربة بدا معها ميزان القوى الداخلي لمصلحتها على نحو يعاكس تماما انفجار الثورة السورية على حليفها وداعمها نظام الرئيس بشار الاسد.
ولكن الاشهر السبعة التي مرت على اندلاع الثورة السورية دلت في المقلب اللبناني على استحالة سيادة لون أحادي وسيطرته الكاملة بدليل انتقال صراع التوازنات الى داخل الحكومة نفسها عبر النماذج التي تجسدها الملفات الاربعة. ولو اتيح لطرف اكثري ان يفرض املاءاته بقوة امتلاكه الغالبية داخل الحكومة او بقوته القاهرة لما استمر هذا الائتلاف لحظة واحدة في حين يراد له ان يطيل المرحلة الانتقالية حتى الانتخابات النيابية المقبلة كأقصى طموحات افرقائه وداعميهم الخارجيين حتى لو ان هؤلاء لا يضمنون غدهم لأنفسهم أولا. ولذا يغدو كل تفلت في الكلام عن "استقالة" حكومية ضرباً من المناورة الباهتة، من دون ان يعني ذلك ان هذه الحكومة ستكون في مأمن من غدرات توازناتها او من ظروف من يدعمها من الخارج السوري تحديدا. وكل العبرة ستأتي مع المخرَج السحري لملف تمويل المحكمة.