لم يستهن سياسي بالرأي العام في بلده كما يفعل ساسة لبنان، أو أكثرهم. يصرون على اهانة ذاكرة مواطنيهم وذكائهم. حتى الطاقم السياسي السابق الذي لعناه وأردنا دفن صيغة 1943 اعتراضا عليه، يبدو اليوم أنبل واكثر جدية في مقاييسه للعمل السياسي وتمييزه بين الوقائع و"البروباغاندا".
بالأمس، وفي تجديد الاخلاص للانحراف الوطني الذي اختطه الجنرال السابق، انبرى نواب من كتلته لتبرير خرق الجيش السوري للحدود واعتدائه بالقصف على لبنانيين يفترض أنهم آمنون في بيوتهم، وأنهم في حمى القانون والدستور اللبنانيين.
ارتأى هؤلاء، وهما اثنان، أن يبررا هذا الخرق بوجود اتفاق لبناني – سوري وقّع تحت مظلة "الطائف"، في اطار اتفاقات التعاون الثنائية. ولكي يحمّلا الوزر لقوى 14 آذار ارتأيا الزعم أن هذا الاتفاق، تحديدا، حمل توقيع الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
تجاهل النائبان، أو جهلا، أن الاتفاق وقع عام 1991 من وزيري الدفاع والداخلية اللبنانيين ميشال المر وسامي الخطيب، وعن الجانب السوري من وزيري الدفاع والداخلية العماد مصطفى طلاس والدكتور محمد حربه، وأن رئيس الحكومة كان حينها الرئيس عمر كرامي.
تجاهل النائبان، أو جهلا أيضا، أن هذا الاتفاق يترك لكل دولة توفير ما يحول دون أن تكون أراضيها منطلقا أو مقرا أو مستقرا لأعمال عدوانية على الأخرى. وشتان ما بين حق المطاردة في أراضي الدولة الجارة وواجب هذه الجارة في ضمان أمن نظيرتها. فكيف الحال حين يصل الأمر الى تدمير بيوت مواطنين لبنانيين؟
ما تفوه به النائبان لم يجرؤ نواب الحليف الأقرب الى النظام السوري على تبنيه، ربما احتراما لذكاء جمهوره. لكن، ربما هي المزايدة في اعلان الوفاء للوثيقة الشهيرة، وتأكيد الاخلاص لخدمة الاستراتيجية المشتركة. ذلك ما ينطبق أيضا على "عنتريات" بطل قانون محاسبة سوريا، الذي أكد أنه لن يوافق على تمويل المحكمة الخاصة بلبنان ولو وافق الحزب القائد، ليفضح لاحقا الهدف، وهو فرض تغييرات في قانون المحكمة بحجة أن مجلس النواب لم يقرها.
"النكتة" السمجة نفسها يرددها رئيس المجلس، ويوحي، كما جنرال المنفى العائد، أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مررت قانون المحكمة من فوق رؤوس النواب.
استهانة بذكاء المواطنين، وكل من لديه ذاكرة، ألا يتذكر الاثنان أين كان مجلس النواب حين أقر مجلس الوزراء قانون المحكمة، ومن كان يقفل أبوابه، ويفرش الطرق اليه بأشرف الناس وأراكيلهم وورق الليخة وليالي الأنس؟
التكرار مكروه، لكن هذه المقولة تفرض نفسها: لا تستغبي ذكائي… والتتمة هي العكس، واللبنانيون جميعا يعرفون الصدر والعجز، ولو أن هذا ليس شعرا، لكنه كالشعر، قليلون من يستحسنونه هذه الأيام.