#adsense

الأحد الأسود لأقباط مصر

حجم الخط

عديدة هي القضايا الهامة التي يواجهها اللبنانيون في هذه الايام الصعبة البائسة التي تسببت بها طبقة من السياسيين لا تعرف من دنياها سوى الشخصنة والأنا ومن بعدنا الطوفان، وكان يمكن ان نعالج واحدة من هذه القضايا في مقال اليوم، لولا توارد اخبار المجزرة الرهيبة الشائنة التي ارتكبها الجيش المصري والجماعات التكفيرية المتعصبة، التي حلّلت لذاتها منذ زمن طويل ذبح المسيحيين وقتلهم وتهجيرهم، بعيداً من تعاليم القرآن الكريم وروحه السمحاء، وبعيداً من اصرار الاسلام المعتدل على العيش المشترك مع المسيحيين، ومن المؤسف والمثير للغضب في آن، ان المسيحيين الاقباط في مصر كانوا جزءاً مهماً في ثورة الشعب المصري ضد نظام الرئيس حسني مبارك، وارث نظام الرئيس الراحل انور السادات، وفي هذين النظامين تحديداً تعرّض الاقباط للعديد من المذابح والمجازر واحراق الكنائس، ومن اصدار التشريعات التي تحرم القبط ادنى حقوق المواطنة بما فيها بناء دور عبادة جديدة، او تسلّم مراكز متقدمة في الدولة، مع العلم بان تقدّم مصر في الامور الثقافية والاقتصادية والاعلامية والعلمية قام في جزء كبير منه على اكتاف مسيحيي مصر ومسيحيي الدول العربية والاجنبية الذين استوطنوا مصر منذ ما قبل بداية القرن الماضي، وقد ظن اولاد هؤلاء واحفادهم ان الثورة التي اطاحت مبارك، ستتصرف نقيض ما سبقها، وقد خاب ظنهم لأمرين، الاول ان الاعتداءات على القبط ودور عبادتهم وبيوتهم لم تتوقف، بل ازدادت امام مرأى ومسمع من الجيش والقوى الامنية، والأمر الثاني الذي هو اخطر من الاول وادهى، ان الدستور الجديد كرّس اضطهاد القبط وحرمانهم حقوقهم وحقوق المواطنة بالقانون، ما شجع أهل الظلمة من المتعصبين على التمادي في ارتكاب افعالهم وجرائمهم، ومن الغريب المثير للتساؤل ان الاسلام المعتدل بدءاً من الازهر وصولاً الى الحكومة برئاسة عصام شرف، لم يبادر الى أخذ أي مبادرة جدّية لتنفيس غضب القبط وشعورهم بالقهر والدونيّة، على الرغم من معرفة الجميع ان جمر الفتنة يتوهج تحت رماد اللامبالاة القاتلة، الى ان حصلت الواقعة الدامية يوم الاحد الماضي، وتعاون الجيش المصري والقوى الظلامية التكفيرية على اغتيال عشرات الشبان القبط، دهساً متعمداً بالمصفحات الثقيلة من جهة، وتمثيلاً بالجثث من الجهة الثانية، بحيث استحال التعرف على عدد من القتلى بسبب التشويه الحاقد الذي لحق بهم.

***
ان ما يؤكد سلمية تظاهرة الاقباط يوم الاحد، البيان الفضيحة الذي اعلنه قائد الشرطة العسكرية المصرية والذي يقول فيه ان المتظاهرين الاقباط تقاسموا الماء والطعام مع الجنود الذين كانوا، حسب رأيه، يواكبون التظاهرة لحمايتها، واغلب الظن ان مندسّين في التظاهرة اطلقوا النار على الجيش وقتلوا ثلاثة جنود.

في أي شرع او قانون يعقل او يصحّ قتل أناس بالجملة وجرح المئات ممن نتقاسم وايّاهم الطعام والشراب والصداقة، ردّاً على مندسّين هدفهم اثارة الفتنة المذهبية بين المصريين، وهذا ما اكده رئيس الحكومة المصرية عصام شرف في اول تعليق له على الاحداث؟

وهل يمكن التصديق ان جنوداً شرعيين، غير تابعين لميليشيا، تصرّفوا من عندهم، وتركوا مصفحاتهم وآلياتهم العسكرية تطحن عظام المتظاهرين، دونما أمر من الضابط المسؤول او من القيادة العليا، وهذا ما دفع بالمتظاهرين الغاضبين، غير المصدّقين لما يحدث، الى المناداة باسقاط المشير طنطاوي الذي اعتبروه المسؤول الاول عن مجزرة الاحد.

لا ضرورة للضرب في الرمل، او للتنجيم، للتأكيد بأن احداث الاحد الاسود، وما سبقها، لن تمرّ مرور الكرام، او ستكون نهاية نضال القبط في مصر، والمسيحيين في العالم العربي، لأن الذين يفكّرون بهذه الطريقة وهذه النيّة، ويبنون استراتيجيتهم على هذا النحو لاقتلاع المسيحيين من ديارهم وجذورهم الضاربة عميقاً في ارض هذا الشرق، هم على خطأ مبين، ولا يقدّرون ثورة الكريم اذا اهين، وصاحب الحق اذا ظلم، وعليهم ان يتذكروا في أي بلد عربي كانوا، ان جولة الظلم ساعة، وجولة الحق حتى قيام الساعة.

لا يسعني اخيراً وفي هذه المناسبة المؤلمة، سوى ان أردد ما قاله الاخوان رحباني في احدى مسرحياتهما وعلى لسان الكبيرة فيروز:
ما من ظلم يقع على مطلق انسان في العالم، الاّ واشعر انه وقع عليّ.
برعاية الله يا مصر وحمايته

المصدر:
الديار

خبر عاجل