مع إندلاع الشرارة الأولى للثورة الشعبية في مصر، سارعت قوى "الشكر لسوريا" في لبنان، الى إعلان تأييدها لتلك الثورة، بحيث تداعت الى لقاءٍ فولكلوري تضامني مع الثورة المصرية، يوم الإثنين 7 شباط 2011.
لم تكن قوى "الشكر لسوريا"، ومن ضمنها نائب الصدفة اميل اميل، تسعى من وراء دعم ثورة الشعب المصري، الى توطيد دعائم الديمقراطية في العالم العربي، ولا الى تأييد حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإلاّ لما أعادت هذه القوى تموضعها الطبيعي الداعم لأنظمة القمع والإستبداد، وذلك بمجرّد ان طاولت الثورة الشعبية، النظام الحاكم في سوريا.
ولم تكن قوى الشكر لسوريا، تأبه كذلك، لمصير الأقباط في مصر، فجلّ همّها كان إسقاط النظام المصري، للإتيان بنظامٍ موالٍ لإيران، حتى ولو تأمّن ذلك عن طريق إيصال أُصوليين الى السلطة، وقتل او تهجير كل المسيحيين…
ولكن ما ان تأكّد لقوى الشكر لسوريا، فشل مشروعها الإقليمي، مع استلام الجيش المصري زمام المبادرة، وإصداره بتاريخ 4 نيسان 2011، بياناً شددّ فيه على "انه لن يتولّى مصر خميني آخر"، حتى بدأت التشكيك بدور السلطات المصرية، وإتّهام الجيش المصري، ضمناً وعلانيةً، بالأصولية والتطرّف…
ويأتي في هذا السياق، تعليق نائب الصدفة إميل إميل لحوّد على الحوادث الأليمة التي وقعت بين أقباطٍ، وأجهزة امن مصرية، ذارفاً عليها دموع التماسيح، متناسياً موقفه بالذات من الثورة المصرية في بداياتها، قبل ان تتحوّل هذه الثورة، وغيرها من ثورات "الربيع العربي"، بنظره، وبنظر قوى "الشكر لسوريا"، الى منبعٍ للأصولية والإرهاب، لا لشيء إلاّ لأن "رياح الربيع لم تجرِ كما يشتهي إميل، وأسياد إميل"…
على كلٍ، فإن نائب الصدفة إميل إميل لحود الذي يتباكى اليوم على استشهاد عدد من المسيحيين على مذبح الديمقراطية النابضة في منطقتنا، فاته، ان من اعتاد العيش في ذمّة الطغاة، "رذيلاً مرذولاً" من شعبه، نكرةً سياسية، ألعوبةً خارجية، وسابحاً على امواج الإنبطاحية، ليس المرجع الصالح في إعطاء الدروس لا عن الديمقراطية، ولا عن الإستشهاد ولا عن المسيحية…
إذاً، تجاهل اميل اميل موقفه السابق الداعم لإسقاط نظام الرئيس مبارك، ليقف اليوم على أطلال ذلك النظام بالذات، متباكياً على حقوق المسيحيين المهدورة على يد "مصر الثورة ضد مبارك"!!!
والأغرب من ذلك كلّه، ان قوى "الشكر لسوريا" لا تجد حرجاً في الإدّعاء إن نتائج وإنعكاسات ثورة الشعوب العربية تصبّ في مصلحتها!!! إنه التخبّط، والتناقض، والضياع، بحدّ ذاته!!!
مهما يكن من أمر، فإن ما حصل مؤخراً في مصر، على فظاعته، غالباً ما يُرافق المخاض الطبيعي لولادة الديمقراطية، بعد عقودٍ طويلة من القمع والإستبداد والطغيان…
إن الديكتاتورية تولّد الضغط والإحتقان الذي يتفجّر بدوره ثوراتٍ شعبية او إنقلاباتٍ تُطيح كل شيء، وعادةً ما تمرّ الشعوب بفتراتٍ إنتقالية دموية، تُمهّد لقيام المرحلة التالية حيث تحكم الشعوب نفسها بنفسها، وتسود الديمقراطية المُطلقة، وهكذا دواليك…
إنها الدورة الطبيعية التي تمّر بها أنواع الحكم باستمرار… وهذا ما حصل بالضبط، بعد إندلاع الثورة الفرنسية، حين ساد "عهد الإرهاب" لعشرات السنوات، ممهداً الطريق امام إحلال الديمقراطية، وقيام الجمهورية الفرنسية وفق اُسسٍ حديثة…
إن الأقباط في مصر، هم جزءٌ لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري الذي يعيش هذا المخاض الأليم بكليّته، محاولاً، في خضّم هذا المدّ والجزر، التموضع في صلب الحياة السياسية، وحجز موقعٍ متقدّمٍ له في مصر الثورة…
ولا شك أن المتباكين على واقع الأقباط اليوم، يغفلون بالمقابل أجزاء كثيرة من اللوحة المصرية. فحتى الأمس القريب لم يكن يحقّ للأقباط، أو لسواهم من المصريين، على سبيل المثال لا الحصر، التظاهر، والتعبير عن الرأي بكل حريّة…امّا اليوم، وعلى الرغم من سقوط الضحايا، فإن للأقباط الحقّ بالتظاهر، وباتوا يملكون جرأة مقارعة ومواجهة قوات الجيش والشرطة من دون ترددّ…
أكثر من ذلك، وفي سابقةٍ قد تكون الأولى من نوعها في دولةٍ ذات طابعٍ إسلامي، اعدمت السلطات المصرية يوم أمس، متهماً مسلماً اُدين بقتل مواطنين اقباط في كانون الثاني 2010. فمنذ متى كانت السلطات المصرية تُقدم على خُطوةٍ مُشابهة؟… وحتى المسيحيون في العراق، على الرغم من ضآلة عددهم مقارنةً بغيرهم، وعلى الرغم من كل المآسي التي حلّت بهم وبسواهم من العراقيين، فقد تجرّؤوا على إنشاء منطقة حكم ذاتي شبه مستقلّة في سهل نينوى، على غرار الطوائف والإثنيات الأخرى، وهو ما لم يكن مسموحاً به إطلاقاً في كل العهود السابقة…
إن الدعوات التي توجّهها دول العالم الحرّ الى الديكتاتوريين، بضرورة تحقيق الإصلاحات المطلوبة، ونقل السلطة الى الشعب بشكلٍ متدرّج وسلمي، تنبع أساساً من تهيّب دول العالم الحرّ للحظة إنهيار الديكتاتوريات بشكلٍ صادمٍ ومُفاجىء، وما يترتّب على هذا الإنهيار من تداعيات دمويةٍ خطيرة…
من هنا، فإن مسؤولية سقوط الضحايا الأبرياء، الذي يتبع عادةً، إنهيار حكم الديكتاتوريين، تقع على عاتق الديكتاتوريين انفسهم، اولاً، لممارستهم القمع وتسببهم بالإحتقان الذي يسبق الإنفجار المحتّم، وثانياً، لتعنّتهم، ورفضهم تسليم السلطة الى الشعب بشكلٍ سلمي وحضاري ومتدرّج، حقناً لدماء الأبرياء…