لم تعطِ حوادث القاهرة إلاّ إشارة إلى عمق أزمة قائمة. طمسها النظام السابق لكنها انكشفت مع انهياره وأضاءت شموعاً وفوانيس، زيتها دماء غالية وكريمة!
ولم تقدّم تلك الحوادث بعد ذلك، إلاّ إشارة إلى الجانب الآخر من الصورة الخاصة بالربيع العربي، وهي في حقيقتها ملازمة حكماً وضرورة (وتاريخاً) لكل ربيع مماثل منذ أن بدأت التشكيلات المعروفة للثورات: في موازاة كل كسر لتركيبة نظامية سلطوية وبغض النظر عن الأسباب، هناك مرحلة فوضوية لا مناص منها. وحدها الانقلابات العسكرية تتفاداها وتستبدل استبداداً (أو ليبرالية) باستبداد، وتعتمد العنف أو التلويح به كبديل عن إستخدامه. لكن المعتاد هو أن مَنْ يملأ الفراغ المتأتي عن غياب الأصيل وعدم اكتمال البديل، هم الرعاع والأوباش والانتهازيون. يسيطرون على الشارع قبل أن تستقر أحوال التركيبة الحاكمة الجديدة وتعيد السطوة والسلطة للشرعية.
الملاحظ حتى الآن، أنّ تجربتي تونس ومصر، والأولى أكثر من الثانية، استوعبتا بسرعة تلك المرحلة الفراغية الفوضوية الفاصلة بأقل الأضرار. والعامل الحاسم المشترك بينهما كان الجيش، وعدم تدمير مؤسسات القطاع العام الدستورية والأمنية بشكل كامل.. غير أنّ ذلك، أصيب بعطب أساسي وكبير في القاهرة يوم الأحد الدامي. وبانتظار معرفة قصته الفعلية وأسبابه ومسببيه، فإنّ الأمر في مجمله، لا يمكن أن يؤخذ حجّة ضدّ موجة التغيير الكاسحة الحاصلة راهناً، لا في اليمن ولا في سوريا. بل يصير المحاجج هنا تجسيداً لصاحب تفليسة ما عاد لديه إلاّ دفاتره القديمة، يعود إليها لاستبدال ماضي القمع المندثر بمستقبل الحرّية الموعود.
..مهما كانت أثمان المرحلة الفاصلة بين عالمين ونظامين، غالية وكبيرة وشديدة الوطأة، فإنّها لا يمكن أن تعطي صكّ براءة لأهل الطغيان والعسف والاستبداد وأنظمة المافيات، وصكّ إدانة لأهل التغيير الباحثين عن حرّيتهم وحقوقهم وكراماتهم، الراكضين وراء أحلام تواكب الزمان وتليق بمفردات الأنسنة في مقابل أنظمة الماضي وأدواته ووحوشه الكاسرة.
معضلة مصر الراهنة، كانت موجودة قبل ثورتها.. لم يلغِ النظام السابق أسبابها، ولا طرح أي علاج لها. وفي ذلك أصلاً، شهادة مبدئية لصالح حركة التغيير التي حصلت وليس ضدّها. إذ انّ انكشاف الأمور بهذه الصراحة (الدموية) قد يكون سبباً كافياً لمحاولة معالجة بعض جذورها. وذلك ما بدأ يحصل مع إعلان طرح المشروع الخاص ببناء دور العبادة وإقراره في غضون أسبوعين، ما يعني إزالة شائبة كبيرة تلطّخ تاريخ الاجتماع المصري، الذي يتناسى ممانعو آخر زمن، أنّه غريب عن ثقافتهم التفتيتية، وبعيد عن أدبيّاتهم الخاصة بالحروب الأهلية والطائفية والمذهبية سواء بسواء.