#adsense

المُستهدَف هم الأقباط أم الثورة المصرية؟

حجم الخط

لا شك في أنّ الاشتباك الذي وقع بين الجيش ومتظاهرين أقباط كانوا متجهين في مسيرة للإعراب عن غضبهم حيال إحراق كنيسة، والذي ذهب ضحيته عشرات القتلى والجرحى، أمر مستنكر ومؤسف للغاية، ولا بل غير مبرر على الإطلاق، إذ كان باستطاعة القوى الأمنية، أو بالأحرى من واجبها، استيعاب غضب المتظاهرين والتعامل معهم بشدة إذا لزم الأمر، خصوصا في حال تجاوز تعبيرهم الاعتراضي الحدود السلمية والديموقراطية، ولكن من غير المسموح التصدّي للمتظاهرين بهذه "الوحشية" التي تنمّ عن حقد وكراهية وعدم مسؤولية تخدم الأهداف المخطط لها بضرب روح الثورة المصرية، وإظهارها نسخة طبق الأصل عن أشكال الأنظمة التي سبقتها في التعامل مع الأقليات المكوّنة لتلك البلاد.

ثمة إذاً سوء تدبير من قبل القيادة المصرية التي عليها تصحيح خطئها عبر اتخاذ أقصى الإجراءات العقابية اللازمة بحق العناصر والضباط المسؤولين عن هذا الحادث الأليم، منعا لتكراره. ولكن ما يجدر التوقف عنده في المقابل وعدم تجاهله أيضا، هو التحرك الفوري للحكومة المصرية وتأليفها "لجنة تقصّي حقائق" وإضافة مادة جديدة إلى "قانون العقوبات في شأن منع التمييز"، وإحالة دور العبادة القائمة وغير المرخصة، سواء كانت كنائس أو دار خدمات، على اللجنة التشريعية في مجلس الوزراء للترخيص لها، فضلا عن الاستنكار الشامل على أعلى المستويات في القاهرة، من رئيس الحكومة إلى الأزهر وما بينهما المجلس العسكري، كما أُعلِنَ عن تنفيذ حكم الإعدام شنقا بحقّ حمام الكموني، المُتّهم في قضيّة مذبحة نجع حمادي، بتهمة قتل 6 مسيحيّين ومسلم واحد، في السّادس من كانون الثاني 2010، ليلة الاحتفال بعيد الميلاد…

ولعلّ هذا التحرك الاستثنائي ليس نابعا فقط من حرص الدولة المصرية على أمن شريحة واسعة من مواطنيها، إنما نابع من حرصها على صورة مصر ودورها وحضورها، إذ إنّ المتضرر الأول والأخير من هذه الأحداث المأسوية هو الثورة المصرية ومستقبلها. ولا يعني هذا الكلام التقليل من حجم المأساة التي لحقت بالأقباط الذين دفعوا من أرواحهم ودمائهم ثمن المخططات الجهنمية لقوى محور الشَر في المنطقة، إنما وضع الأمور في نصابها لجهة أن المستهدف الحقيقي ليس الأقباط بالتأكيد، بل الثورة المصرية والثورات العربية كلها.

فمن الخطأ مقاربة المسألة من زاوية "مَوْقعة مسبيرو"، من دون النظر إلى ما يجري من أحداث على مستوى المنطقة، لأن هذه المسألة غير معزولة في الزمان والمكان، لا بل مرتبطة ارتباطا عضويا بما يحصل، إذ لا يخفى على أحد أن إيران وسوريا اتخذا قرارا بتفجير أحداث متنقلة لإشاحة النظر عن إجرام النظام السوري، كما للقول بأن الضغط الدولي على هذا النظام سيؤدي إلى تفجير المنطقة برمّتها، ومن هنا يأتي التوغّل السوري المُتكرّر في لبنان وعودة التفجيرات إلى العراق، والاضطرابات في المنطقة الشرقية في السعودية والبحرين وأخيرا في مصر.

وماذا عن خليّة حزب الله في مصر وفضيحة الجوازات اللبنانية التي يستخدمها في إرسال عناصره الأمنية في مهمات محددة وبأسماء مواطنين لبنانيين مسيحين أو مسلمين، والتي تحدثت عنها مصادر دبلوماسية عربية بمراحل سابقة، وأدت الى إشكالات على مستوى البحرين والامارات؟ وماذا عن عمل الحزب الأمني على الأراضي العربية الذي أثاره النائب الموسوي في المجلس النيابي، ساعة تحدّث عن شبكات الحزب في الكويت والعراق؟

لقد حوّلت إيران وسوريا الأقباط إلى صندوقة بريد، بُغية ضَرب الاستقرار واستهداف الثورات وتحذير المجتمعين الدولي والعربي من مغبّة الاستمرار في دعمهما لحركات التغيير، كما تخويف الأقليات من حكم الأكثريات، وإعطاء صورة بأن الإرهاب هو إرهاب سني. ويكفي في هذا الإطار الإشارة إلى بيان حزب الله التنديدي، وما قاله مفتي سوريا الشيخ احمد بدر الدين حسون: "انه مع انطلاق اول قذيفة صوب سوريا، فإن كل واحد من أبناء وبنات لبنان وسوريا سينطلق ليكون استشهاديا على ارض اوروبا وفلسطين".

ما حصل مع الأقباط يؤكد مجددا أهمية طرح المسألة المسيحية المشرقية، إنما ليس من زاوية أقلوية تخويفية هادفة إلى التبرير للأنظمة القمعية الشمولية التي تتذرّع بستار التنوع وحرية الاختلاف وهي تمارس أشد أنواع الإرهاب والترهيب، بل من زاوية مبدئية تتعلق بواجبات وحقوق الجماعات المسيحية باعتبارهم مواطنين أصيلين في الدول العربية، والمبادرة إلى تطمينهم على قاعدة أن القانون وحده يشكل مصدرا لحمايتهم، شأنهم شأن المواطنين الآخرين في هذه الدول.

لقد جاءت هذه الأحداث المؤسفة لتؤكد على أهمية ما يتمّ التحضير له على مستوى مؤتمر "سيدة الجبل" المُزمع عقده في 23 الجاري، إنْ لناحية تبديد هواجس المسيحيين وإعادة الاعتبار الى توجّهاتهم التاريخية، أو لجهة استرجاع المبادرة وخلق مرجعية مسيحية على مستوى المنطقة تساهم في ترسيخ مفهوم الدولة المدنية الضامنة لحقوق الجامعات والأفراد.

ولا بد من ملاحظة أخيرة بأنّ رد الفعل الغاضب للأقباط بشكله ومضمونه هو مستجد، بمعنى أنه لم يكن يسجل هذا النوع من ردود الفعل في زمن ما قبل الثورة المصرية، ما يؤشر إلى أن هذه الثورة أعطت الأقباط الثقة بالنفس والعصب والحق في الوجود السياسي والتعبير.

بناء على كلّ ما تقدّم، يتّضِح أنّ المُستهدَف هو الثورة في مصر وليس الأقباط، وأنّ إيران وسوريا تريدان زعزعة الاستقرار في مصر والمنطقة، ما يفترض التنبّه لعدم تقديم "هدايا" مجانيّة لكل من دمشق وطهران، وبالتالي مواجهة مشاريعهما العدوانية بمزيد من الحكمة والتبصّر والعقلانية والحزم، لا التهوّر والانزلاق إلى ما يخدم أهداف هاتين الدولتين المارقتين وتطلعاتهما.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل