بعد تهديد أوروبا وأميركا بما يشبه 11 أيلول
حسون وجه جديد من وجوه "القاعدة"
في تصريح أدلى به أمام ما سمي قافلة "مريم 2" قال مفتي نظام آل الأسد أحمد حسون: "في الوقت الذي تسقط أول قذيفة على سوريا فلبنان وسوريا سينطلق كل واحد من أبنائها وبناتها ليكونوا استشهاديين.. سنعد استشهاديين هم الآن عندكم إن قصفتم لبنان أو قصفتم سوريا والبادئ أظلم وأنتم الظالمون.. نحن نعد استشهاديين موجودون الآن في أميركا وأوروبا وفلسطين".
وقبل الولوج في النقاش حول خطاب حسون، يجدر التوقف عند مناسبة إطلاق هذا الخطاب الناري وهي استقبال هذا المفتي لوفد من قافلة "مريم 2"، وللتذكير فإن قافلة مريم الأولى كانت عبارة عن سفينة كان مقرراً أن تتوجه إلى قطاع غزة في إطار الحملة التي انطلقت لفك الحصار الصهيوني عن القطاع.
وعندما فشلت هذه المحاولات، ومع اندلاع الثورة السورية، تحوّل المشروع إلى أداة لإظهار التضامن مع النظام السوري، في محاولة للإيحاء بأن التضامن مع هذا النظام هو أحد أشكال التضامن مع فلسطين. لكن الدعاية الفظة والفاشلة لإعلام النظام، حوّلت هذه القافلة إلى مجموعة نسائية فاشية تعلن ولاءها للقتل والبطش، من دون اعتبار لأي عوامل إنسانية، يفترض أن تكون النساء أكثر تأثراً بها، فإذا بهؤلاء النسوة يتحولن إلى مجموعات دعم وإسناد لسياسات النظام، ما جعلنا نسترجع النساء الحارسات للقذافي المخلوع، وقبله مجموعات الفاشيين النسائية!!.
السؤال الآخر المهم: من الذي فوّض حسون التحدث باسم "كل أبناء وبنات لبنان"، وهل مجموعة نساء الحزب السوري القومي الاجتماعي وزوجات المطاردين على أبواب المحاكم والمتواطئين ضد الحريات العامة وأبواق النظام السوري في لبنان يمثّلن لبنان؟ وهل هؤلاء الأحزاب والمجموعات التي أرسلتهم قادرون على تلبية "نداء الاستشهاد" وضد من سيقومون بعملياتهم في لبنان ومن سيستهدفون ومن هم أعداؤهم المطلوب قتلهم وتفجيرهم في بلد الأرز؟!!.
هذا الخطاب الصادر عن مفتي الأسد، جاء ليذكر بجملة حقائق أهمها:
ـ لم تصبح جريمة تصدير تنظيم "فتح الإسلام" الإرهابي إلى لبنان خارج نطاق المحاكمة بحكم التقادم الزمني، بل إن الأصابع السورية التي أعدت هذا التنظيم الإرهابي وحرّكته لا تزال تتحكم بعدد من المفاصل الأمنية المؤثرة في الاستقرار اللبناني.
ـ هل يمكن نسيان أو تجاهل التصريحات التي تصدر عن أبواق النظام السوري في لبنان من وزراء ونواب سابقين، قالوا في تصريحات سابقة إن دمشق ستعمد إلى إعادة استخدام ورقة حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، والظاهر أن هؤلاء لم يعلموا أن تسليم النظام السوري زعيم حزب العمال عبد الله أوجلان إلى تركيا، جاء بعد تهديد حقيقي بدخول الجيش التركي إلى الأراضي السورية والقيام بما يلزم لإنهاء نشاط هذا الحزب ضد تركيا انطلاقاً من سوريا.
ـ يعاكس مفتي آل الأسد ادعاءات النظام بمكافحة الإرهاب، عندما يهدد أوروبا بتنفيذ عمليات هي أشبه باعتداءات 11 أيلول وتفجير الأنفاق في بريطانيا واسبانيا، وبالتالي فهو يهدد بإطلاق مجموعات إرهابية تقوم بنشر الخراب والدمار في أوروبا. فبماذا يختلف حسون عن أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وعن رموز الإرهاب من تنظيم "القاعدة" الناطقين بالشعارات الإسلامية؟!.
في هذا السياق لا يأتي حسون بأي جديد، فنظامه عبارة عن مصنع للإرهاب ومصدّر للإرهابيين، وساحات العراق شاهد من شواهد تصدير الإرهاب لفرض الوزن الإقليمي لهذا النظام. وإذا كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي محكوماً اليوم بدعم الأسد مالياً وسياسياً بضغط إيراني، فلا يمكن للرأي العام نسيان اتهاماته لدمشق بأنها تقف وراء تفجيرات الوزارات الشهيرة في بغداد وما تلاه من هجاء سياسي غير مسبوق صدر عن المالكي ووزرائه بحق نظام الأسد الذي يؤوي مجموعات بعثية وأخرى جهادية، يجري تسويقها على أنها مجموعات مقاومة للاحتلال الأميركي.
المتاجرة بفلسطين
يحاول حسون إلصاق القضية الفلسطينية بخطابه والإيحاء بأن المعركة التي يخوضها نظامه إنما هي صراع من أجل فلسطين، مما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لم ينفذ حسون ونظامه هذه العمليات الاستشهادية خلال الفترة السابقة، التي شهدت مئات الانتهاكات للحقوق الفلسطينية، ولماذا لا ينفذها الآن احتجاجاً على تدنيس المقابر الإسلامية والمسيحية في حيفا وعلى بناء المزيد من المستوطنات، ولماذا ربط هذه العمليات بلحظة تعرض نظام الأسد للقصف؟ وهل إذا نجا هذا النظام من العقوبات العسكرية، ينتفي السبب لتحريك الاستشهاديين من أجل فلسطين؟.
الأبعاد الشرعية
من الناحية الشرعية لن يجد مفتي آل الأسد عالماً واحداً، حتى من إيران يؤيده في هذه الفتوى الشاذة التي تدعو إلى الاستشهاد في سبيل نظام ظالم يحصد أرواح الأبرياء العزل، لأن للإيرانيين توقيتهم، ولأن علماء أهل السنة والجماعة أدلوا بآرائهم الواضحة في إدانة سياسات النظام القمعية.
أما عن شمول حسون شباب لبنان وبناته في الادعاء بأنهم سيكونون في عداد استشهاديي آل الأسد، فيستند على الأرجح إلى أن "حزب الله" سيشعل الجبهة مع العدو الإسرائيلي، مطيحاً بالمعادلة التي جاءت بالقرار 1701 وأوقفت العدوان الصهيوني في العام 2006، ومثل هذا التحول لا يستطيع لا حسون ولا سواه تحديد المسار الذي يمكن أن تأخذه التطورات على هذا المستوى.
يمكن لحسون أن يدّعي أن بعض مناصري نظامه سيدعمونه، ويمكن هنا التوقف عند هذا الطرح للقول:
إن عموم اللبنانيين لم ينسوا بعد فظاعات نظام الأسد في لبنان، ولم تمسح الأيام من ذاكرتهم بعد المجازر والمآسي التي تركها جيشه ومخابراته في بلدهم، أما مناصروه، فإنهم سيستمرون بتأييده طالما أنهم يرونه لا يزال متماسكاً، أما عند بداية الاهتزاز، فسينفض الجمع ويولون الدُّبُر.
وفي هذا السياق، لا نعتقد أن حسون هو المرجعية "الشرعية" التي تصلح لتكون المرجع الذي يلتزم به "حزب الله"، لأن مرجعية الحزب كما يعلم مفتي الأسد هي الولي الفقيه في طهران.
إذا كان من استنتاج يمكن استخلاصه من هذا الموقف المتوتر لمفتي النظام السوري فهو الإحساس المتزايد بالعزلة وبالفشل في إقناع المجتمع الدولي بسيناريو الإصلاح الذي لا يأتي، وبالقمع الذي لا يتوقف بدعوى مواجهة مجموعات مسلحة، لا يعرف أحد من هم عناصرها ولا مواصفاتها ولا انتماؤها ولا لونها. إنها لحظة بدء خلع الأقنعة والأردية التي يتلطى وراءها نظام لا يعرف إلا القتل والتنكيل والإرهاب.