نجح الرئيس نجيب ميقاتي حتى الآن في انقاذ حكومته من مطبين: ملف الكهرباء ومطالب الاتحاد العمالي. لكن تصدّع التضامن الواضح بين اطرافها حول ملفات قادمة لن يدفعه الى استخدام ورقته الاخيرة، ورقة الاستقالة، طالما أن "حزب الله" ينتظر جلاء الاوضاع في سوريا ليحدد أولويته: رفض تمويل المحكمة الدولية الخاصة او الحفاظ على الحكومة.
فـ"حزب الله" منكفئ في الوقت الحاضر عن إعلان رفضه الصريح لتمويل المحكمة الدولية بلسان أمينه العام حسن نصر الله مثلاً، ويكتفي إما بتسريب الرفض نقلاً عن زواره مع التشديد على الحفاظ على الحكومة، وإما بمواقف علنية لحلفائه.
ويلفت سياسي متابع الى أن جلاء الاوضاع في سوريا قد يتطلب اشهراً طويلة، فيما يتوجب على الرئيس ميقاتي دفع حصة لبنان من موازنة المحكمة للعام الجاري قبل انتهائه، كما تعهد تكراراً وخصوصاً امام أعلى منبر دولي في الأمم المتحدة. ومع رفض التمويل عبر كل الوسائل القانونية المتاحة من مرسوم يصدر عن رئيسي الجمهورية والحكومة إلى سلفة خزينة او باعتماد القاعدة الاثني عشرية يفتح "حزب الله" وحلفاؤه ابواباً اخرى لفصل لبنان عن عمل المحكمة الدولية، منها تعديل بروتوكول التعاون عند استحقاق تجديد الولاية في آذار المقبل الى عدم تصديق مجلس النواب على قانون انشائها؛ ووصل الأمر بوزراء النائب عون الى حد التهديد بالاستقالة في حال لم تنفذ رغباتهم.
ويرى المصدر نفسه أن "حزب الله" يسعى بشتى الطرق الملتوية الى ثني الرئيس ميقاتي عن التزام تعهداته بتمويل المحكمة، مستنداً الى حلفائه في الحكومة للمواجهة ومهوّلاً باستثمار المطالب الحياتية في الشارع.
وأبرز الرسائل في هذا الاطار تهديد الاتحاد العمالي بالاضراب ومساندة وزراء النائب ميشال عون لمطالبه ثم وساطة رئيس البرلمان نبيه بري للتراجع، اضافة إلى التحركات المطلبية في القطاع التربوي مدرسياً كان أم جامعياً. وكانت ضغوط "حزب الله" على النائب عون قد حملت الاخير على القبول بالضوابط على خطة الكهرباء بعد ان هدّد الرئيس ميقاتي بالاستقالة.
وبما أن التسوية مع الاتحاد العمالي تشكل مجرد ترحيل للأزمة مع رفض الهيئات الاقتصادية وهيئات نقابية اخرى لها، يبقى تحرك الاتحاد العمالي سيفاً بإمكان "حزب الله" استخدامه تكراراً، خصوصا وأن سيطرته العسكرية في 7 أيار عام 2008 على بيروت ومناطق من الجبل أتت على خلفية تحركات مطلبية دعت اليها قيادة الاتحاد العمالي نفسها.
وفي يد "حزب الله" ملفات متعددة للضغط على الرئيس ميقاتي، من استحضار ملف شهود الزور عند الحاجة، وهو الملف الذي غاب عن التداول منذ تولي الرئيس ميقاتي مهامه بعد أن ارتكز عليه "حزب الله" لشلّ عمل الحكومة السابقة ثم اسقاطها، إلى موازنة العام المقبل التي يتضمن مشروعها بنداً لتمويل المحكمة وزيادة في الضرائب الاستهلاكية رفضها بشدة النائب ميشال عون وشبهها وزراؤه بموازنات حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إلى التعيينات الادارية من الفئة الأولى والمدراء العامين والتعيينات الديبلوماسية التي تتم ببطء شديد وعلى دفعات بسبب الخلافات عليها رغم الحاجة الملحة الى ملء الشواغر.
وبذلك يخرج ميقاتي من مأزق ليواجه آخر متسلحاً بالورقة الوحيدة في يده وهي تلويحه بالاستقالة فيما حزب الله لم يحسم افضليته: حكومة تصريف اعمال يتجنب عبرها التعاطي مع المحكمة التي يعتبرها "اميركية-اسرائيلية" خصوصا تمويلها او تجديد ولايتها، أم حكومة فعالة تؤمن له تعيينات يمسك عبرها مع حلفائه بمفاصل الدولة وتؤمن له قانوناً مناسباً للانتخابات النيابية التي ستجري عام 2013 .
ويرى المصدر أن ميقاتي لا يمكنه تحت أي ضغط التراجع عن تمويل المحكمة لأسباب خارجية ومحلية.
فخارجياً هو يريد الحفاظ على مصالحه المالية المنتشرة في انحاء العالم خصوصا في ظل تسريبات عن مصالح اقتصادية مشتركة له مع النظام السوري الذي يواجه عقوبات أوروبية مرشحة للتصاعد. وهو يريد محلياً مواصلة بناء زعامة سياسية نقطة ارتكازها مسقط رأسه طرابلس التي يخسرها بالتأكيد إذا خضع لـ"حزب الله" وأوقف تمويل المحكمة.
في المقابل، هو يكسب من الصمود في وجه "حزب الله" وتكبر مكاسبه في حال الاستقالة اذا اضطر اليها لأنها تنزع عنه الاوصاف التي أسبغت عليه عندما اختاره الامين العام لـ"حزب الله" لترؤس الحكومة. كما تساعد مواقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط الرئيس ميقاتي على الصمود خصوصا عندما تنتقل الاشكاليات من طاولة مجلس الوزراء الى مجلس النواب.
ويواجه لبنان سيل الملفات الخلافية، فيما يشهد تراجعاً اقتصادياً خصوصاً منذ اندلاع الثورة السورية في 15 آذار الماضي، وفي وقت يتصاعد فيه التوتر الاقليمي مجدداً على خلفية المخطط الذي اكتشفته اميركا ويقضي باغتيال السفير السعودي صالح الجبير على أراضيها والذي اتهمت ايران بالوقوف وراءه، وهو ما نفته طهران.