#dfp #adsense

حكومة تخشى إعلان الحقائق

حجم الخط

تكتشف قوى الأمن الداخلي هويّة مفجّري عين علق، فلا تلقى سوى التشكيك. تكتشف الخيط الأوّل في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فلا تلقى سوى الاتّهام. تفكّك الشبكات الإسرائيليّة، فلا تقابَل إلّا بالبرود المريب. تلاحق مرتكبي جريمة اختطاف الأستونيين فتلاحَق كأنّها مسؤولة عن عملية الخطف. تضع يدها على جريمة اختطاف الإخوة جاسم بكلّ تفاصيلها ومنفّذيها كما على جريمة اختطاف شبلي العيسمي، وتحيل ملفّهم الى القضاء العسكري وتصمت، ويبقى الملفّ نائما. وحين يعلن اللواء أشرف ريفي منذ ايّام امام ممثلي الأمّة أنّ الاختطاف نُفِّذ بسيّارات تابعة للسفارة السوريّة يثور بعض ممثّلي الأمّة بوجهه ويتّهمونه بأنّه يتكلّم في السياسة، ويلاحقونه بالأسئلة كأنّه المتّهم ولا يلتفتون الى خطورة ما قاله أحد أبرز المسؤولين الأمنيين على الأمن الوطني، وكأنّ المطلوب ان يسكت هذا المسؤول على ما يعرف حتى ولو كان هذا السكوت متعلقا بمسألة ترتبط في الصميم بالاستقرار العام وهيبة الدولة.

ولو قيس ما قاله اللواء ريفي على قياس الدول التي تحترم كرامة الانسان وهيبة المؤسّسات، لكان قيل كلام آخر على رجل في موقع المسؤوليّة تجرّأ وكشف لنوّاب الأمّة وللرأي العام حقيقة مخيفة، بل ربّما كان يمكن الاكتفاء بالقول إنّه قام بواجبه ونقطة على السطر، ولكن في بلد استثنائي كلبنان بات منصفا القول إنّ ريفي ليس شجاعا بل مغامرا، وإنّه ربّما مثاليّ لأنّه تجرّأ على مخاطبة النوّاب بالقول: عمليّات الخطف هذه لا يمكن السكوت عنها، فإذا سكتنا قد نتعرّض نحن أو أبناؤنا أو أبناؤكم للخطف والاستهداف، ومسؤوليتي ان اضع الحقائق امامكم، والقضاء العسكري لديه الملفّ، ويمكن ان تطّلعوا عليه.

ومن المعبّر جدّا أن يواجه نوّاب "حزب الله" ريفي بسؤاله عن الصفة التي يتكلّم من خلالها، هل هي صفته الشخصية أم صفة تمثيله لوزير الداخلية، أم لمرجعيته السياسية المفترضة، كما أنّه من المعبّر جدّا أن يجيب على هذه التساؤلات بالقول لنوّاب الأمّة: أتكلّم كمدير عام لقوى الامن الداخلي ونقطة على السطر.

وأوحت هذه التساؤلات أنّ النوّاب لم يهتمّوا بالسؤال عن حقيقة من قام بعمليّات الخطف، بل عن كيفية تجرّؤ ريفي على الكلام، وعن سبب هذه القوّة والشجاعة في وقت لا يفترض بالرجل ان يأتي بأيّة حركة في ظلّ حكومة تستطيع اتّخاذ قرار بإقالته. لم يسألوه عن حقيقة ملفّ الخطف وعن دقّة المعلومات التي لديه، وعن تثبُّته من صحّة قيام امن السفارة السورية باختطاف الإخوة جاسم. لم يسألوه عن التحقيق في الاتّصالات التي أجراها الخاطفون، وعن قيام أحدهم بمهاتفة زوجة أحد المخطوفين من هاتفه ليطمئنها إلى أنّه بخير وسيتأخّر قليلا قبل ان يعود الى المنزل، لم يسألوه عن رؤية شهود عيان لكيفية حصول عملية الخطف، وحتى انّهم لم يسألوه عن كيفية إتمام التحقيقات وختم الملف وإرساله الى القضاء العسكري، في وقت هم يعرفون أنّ القوى الأمنية عندما ترسل ملفّا بهذه الخطورة الى القضاء فإنّها تكون قد قطعت كلّ الشكوك باليقين، تماما كما حصل في التحقيقات التي أدّت الى اكتشاف شبكات العملاء.

لم يسألوه عن كلّ ذلك، ربّما لأنه خرق الصمت وتكلّم بما لديه، وهكذا حالة لا تعالَج من وجهة نظرهم إلّا بمحاولة إسكات من يتكلّم وإرساله الى بيته مُقالا بقرار من حكومة تخشى من إعلان الحقائق وترتبك بالدور الذي رسم لها والذي يقتضي إغماض العين، والتعامل مع هذه الملفّات الأمنية على أنّها مجرّد كوارث طبيعيّة أو حوادث سير.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل