#dfp #adsense

استنساخ

حجم الخط

الذاكرة العربية قصيرة جداً، سلة بلا قعر، لا تعلق فيها التجارب ولا تحتفظ بمعانيها ودروسها. ومن لبنان الى سورية والعراق ومصر، وصولاً الى اليمن، تكرِّر انظمة وقوى سياسية وجماعات أهلية، قديمة ومستجدة، الاخطاء ذاتها، كأنها لم يسبق ان عانت او شهدت ما أوصل بعضها الى هذا الدرك من التخلف والتفسخ والاحتراب، فيما العالم من حولها يتقدم ويبني على تجاربه قوانين تحول دون استعادتها.

كان لبنان المبتلى بالطائفية وسوء الجيرة أولَ ضحايا قصر الذاكرة، ولا يزال. نظامه منصة للحروب الأهلية غير المعلنة وللانقسامات الدائمة، وقواه السياسية تغرق في قواقعها بانتظار اشارات عبر الحدود. وكأن قدر هذا البلد ان يبقى نموذجاً لتغلب الطائفة والمنطقة والعائلة على الدولة وقوانينها، ومثالاً لفساد لا يوفر أحداً ولا شيئاً. يكاد اللبنانيون لا يناقشون أمراً مهما صغر شأنه، إلا ليتفرقوا وكلٌّ يدُه على سلاحه ومالِه ووسائلِ اعلامه. الوطن آخر الهموم، وصيغ التاريخ جاهزة لتعديلات المنتصر. الناجح في السياسة من يملك موهبة التحريض، والبارز في التجارة من يستطيع تسويق الادوية والأغذية الفاسدة، وثمة من يجمع الملكتين بلا حياء.

ورغم هذا الاشعاع اللبناني الذي لا يخفى على عين، فإن شعوباً عربية تقع في الفخ نفسه، كأنها تساق اليه بلا إرادة. وليست الاشتباكات الطائفية التي تهز مصر سوى عينة من الاستنساخ العربي للمرض اللبناني، وكأن لا احد يرى او يرغب في ان يرى الى أين يوصل عدم الاعتراف بالآخر ونكران حقوقه ومعاملته كضيف ثقيل بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض عليه وإبعاده.

اما في سورية، فيدفع النظام الأمني مكوِّنات البلاد الاجتماعية شيئاً فشيئاً نحو مواجهة اكيدة تحت شعار خوف الأقليات، فإما ان يبقى هو او لا يبقى أحد.

وتبدو اللبننة متمكنة تماماً في العراق، حيث تطحن الطوائف والجماعات بعضها بأساليب وأدوات فاتت خيال المؤسس اللبناني، وحيث تُنهب الدولة بوسائل مبتكرة، ويستقوي الناهبون بالحزب والمذهب والقبيلة من دون ان ترف جفونهم. ويرسم العراقيون لـ «دولهم» ادواراً حدودها الثروات الكامنة ورضى الجارة الأقوى، بعدما استبدلوا بالحاكم الطاغية طغاة كثراً، واستعاضوا عن الحزب الواحد بفسيفساء الولاءات.

لكن الحالة الاكثر تعبيراً عن هذا الاستنساخ هي اليمن. هناك ايضا، مثلما حصل في بدايات الحرب اللبنانية، لجان لفض الاشتباكات التي تندلع هنا وهناك، بلا تفسير في معظم الاحيان، وخطف على الهوية المناطقية والقبلية والسياسية، ومتاريس تقسم العاصمة طولاً وعرضاً، وشوارع وساحات تدخل أسماؤها نشرات الاخبار رموزاً للقتل الجماعي المفاجئ، وجيش موزع بين ولاءين وتمويلين، وجماعات فالتة من كل عقال تقيم «إماراتها» و «دولها» على انقاض بيوت شرد العنف اهلها، وشبان يحلمون بأن صورة الوطن الذي ينشدون أقوى من قرون التخلف، وبأن عُود التغيير السلمي اصلب من غابة السلاح، وان منشوراً يكفي لإقامة وطن لكل ابنائه.

العرب يثورون ويغيرون حكامهم لكنهم لا يغيرون ما بأنفسهم. يتفرجون على بعضهم وينتظرون وقوع الآخر في الخطأ ليكرروه من بعده. الثورات تبدِّل الاعلام والوجوه وتبقي على الغرائز والحدود المتناسلة بين كل جماعة وفرقة. وعندما يجلسون تحت علم جامعتهم يقررون انه ليس بإمكانهم انقاذ بلد جديد من التجربة نفسها.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل