كتب د. عامر مشموشي في صحيفة "اللواء":
حاولت الحكومة أن تتجنّب شرب كأس الإضراب العام لكي تتجنّب هجوم المعارضة عليها، فكان بدل ذلك، أن وجدت نفسها تتجرّع أكثر من كأس مرّ في وقت واحد، بدأ من تصدعها في الداخل بخروج فريق وزراء تكتل "التغيير والاصلاح" عن التضامن الوزاري ونعت القرارات التي اتخذتها على صعيد تصحيح الأجور بالمجتزأة التي تزيد المشكلة تفاقماً بدلاً من حلّها، وصولاً إلى اتهامها بأنها حكومة لا تحكم بل هي حكومة محكومة على حدّ تعبير الوزير العوني جبران باسيل قبل أن يجف حبر القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في تلك الجلسة الماراتونية التي استمرت حتى منتصف ليل أول من أمس• وتململ فريق وزراء جبهة النضال الوطني الذي عبّر وزير المهجرين علاء الدين ترّو عنه بوصفه القرارات بأنها قرارات اللحظة الأخيرة والتي جاءت بصيغتها التي أُعلنت لا تعالج مشكلة أجور العمال، بل تزيد الوضع المعيشي لهؤلاء العمال تفاقماً لأنها قرارات عشوائية لم تبنَ على أسس علمية، ولم تأخذ بعين الاعتبار دراسات لجنة المؤشر ولا حالة التضخم التي ستنتج ولا الوضع الاجتماعي العام.
وجاء اعتراض الفريق الوزاري للتيار الوطني الحر وتململ الفريق الوزاري لجبهة النضال الوطني ليعكس حالة التصدّع الوزاري الذي دخلت فيه الحكومة وليؤشر إلى أن ما أقدمت عليه الحكومة لم يكن من منطلق العالم بالشيء وبالأصول العلمية والموضوعية الواجب اتباعها للمعالجة، بل بدافع التسوية السياسية التي فُرضت على الحكومة من جانب فريق داخلها متعاطف مع القيادة العمالية، ويهمه إرضاءها بدافع سحب القضية العمالية من يد المعارضة التي حسب اعتقادهم، كانت ستستغلها لفتح النار على الحكومة، ووضعها في مواجهة مع قطاع واسع ستكون هي حتماً الخاسر من جراء هذه المواجهة.
وكان هذا العنوان فاقعاً من خلال تدخّل رئيس مجلس النواب نبيه بري المباشر وإدارته بفعالية عملية الصفقة التي تمّت بين الحكومة و"العمالي" مدعوماً من "حزب الله" وإن حرص على أن يبقى في الظل، ولا يضع نفسه في المواجهة، الأمر الذي أثار الهيئات الاقتصادية ودفعها إلى أن ترفض هذه الصفقة المشبوهة، وتُبلغ ذلك بكل صراحة إلى رئيس مجلس الوزراء الذي ظل على تماس وشبه تفاهم معها إلى أن تدخّل الرئيس بري وأفسد الطبخة التي كانت على وشك أن تنضج وخرج بهذا الحل الذي فاحت منه رائحة السياسة قبل أن يولد و تغلبت على الموضوعية والمصلحة العامة.
وما القرارات التي اتخذتها الهيئات الاقتصادية في اجتماعها أمس، والتي جدّدت فيها رفضها القاطع الالتزام بقرارات مجلس الوزراء، وتحذيره من مخاطر تنفيذه على مصير ألوف العمال الذين سيتعرضون للصرف من وظائفهم في القطاعين الصناعي والتجاري، إلى مخاطر التضخم الذي سيصيب البلد جراء هذه الزيادة غير المدروسة وإلى مخاطر الانكماش الاقتصادي سوى أدلة كافية على سوء إدارة الحكومة لهذا الملف الحسّاس، وعلى الدور السلبي الذي لعبته السياسة في هذا المجال على حساب الموضوعية والواقعية التي عبّر عنها وزير العمل شربل نحاس. وفي السياق نفسه الذي يدل على فداحة الخطأ الذي ارتكبته الحكومة أو فُرض عليها لأسباب سياسية جاء الموقف التصعيدي لهيئة التنسيق النقابية بإعلانه الصريح والواضح عن قرار بإعلان الإضراب العام في كل الجامعات والمدارس الرسمية والخاصة والاعتصامات أمام السراي الحكومي ومجلس النواب تعبيراً عن رفضهم للقرارات التي اتخذتها الحكومة، الأمر الذي ينتج عنه حتماً مزيداً من الإرباك للحكومة ويضعها في مواجهة قطاع واسع له امتداداته على صعيد المجتمع الأهلي الذي لا يستطيع سوى الدفاع عن مصالح أبنائهم الطلبة الذين سيشردهم هذا الإضراب ويدفعهم إلى الشارع بدلاً من أن يكونوا على مقاعد الدراسة يتلقون العلم ويشربون مناهله.
فالبيان الذي أصدرته هيئة التنسيق النقابية لا يقل عنفاً عن البيان الذي أصدرته الهيئات الاقتصادية كما لا يقل صراحة في انتقاده للإجراء الذي اتخذته الحكومة وتجاهلت فيه المطالب المشروعة لأساتذة الجامعة وللأساتذة في كل مراحل التعليم الابتدائي والثانوي.
هذه الردود الغاضبة على القرارات الحكومية هل تدفع رئيس الحكومة إلى إعادة النظر فيه تصويباً وتدقيقاً لوقف التداعيات الشعبية من جهة والحفاظ على التماسك الحكومي من جهة ثانية بعدما تعرّض للتصدّع؟
أوساط في المعارضة، تميل إلى الاعتقاد بأن الحكومة أوقعت نفسها في المحظور، وقد يكون الأمر مقصوداً لدفع رئيسها إلى الاستقالة قبل الوصول إلى استحقاق سداد مستحقات لبنان المالية للمحكمة الدولية، بعدما أضحى واضحاً أن "حزب الله" أتخذ قراره بعدم دفع هذه المستحقات سواء التزم رئيس الحكومة بدفعها تجاه المجتمع الدولي أو لم يلتزم ويرى أن الاستقالة تحت ضغط الحالة الاجتماعية تبقى خسائرها أقل من إجبار رئيس الحكومة على تقديم استقالته تحت ضغط المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لأن الاستقالة على هذا الأساس من شأنها أن تفقد الأكثرية الحالية أكثريتها التي مكّنت "حزب الله" من استلام السلطة وإبعاد قوى الرابع عشر من آذار عنها، ومن خلال ذلك أحكم قبضته على القرار السياسي ومتفرعاته.
غير أن أوساط الأكثرية الجديدة، لا ترى في التطورات الداخلية أي انعكاسات سلبية على المسار الحكومي، وتعتبر أن الضجة المثارة على القرارات سواء من جانب تكتل التغيير والاصلاح أو من جانب وزراء جبهة النضال الوطني أو من جانب أرباب العمل، ستهدأ ولن يكون لها أي تأثير مباشر على الوضع الحكومي، خصوصاً وأن المعالجة لتصحيح الخطأ في حال وجوده ما زالت ممكنة، ولا يزال هناك أكثر من وسيلة لبلوغها.