
كتب بيار عطالله في "النهار": كُتب الكثير عن ذكرى الاجتياح السوري للمناطق الشرقية في 13 تشرين الاول 1990، وتم تحوير التاريخ ليصبح من نفذ عمليات القصف والخطف والقتل يومذاك هو "جيش رفيق الحريري" تحديداً، وليس جيش البعث السوري. كما جرى التلاعب ببراعة بالذاكرة الجماعية لمجموعة من المسيحيين ليتحول الأبيض أسود وبالعكس. ويوماً بعد آخر يتيقن المرء من حجم "غسيل الدماغ" الذي مورس لقلب الوقائع والاحداث. في ما يأتي اربعة مشاهد مرتبطة بما جرى في ذلك اليوم، لعل الذكرى تنفع في استخلاص العبر.
المشهد الاول
القضية التي لا تغيب في الذكرى هي مأساة المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وصورهم، والذين جرى التعامل معهم وحرف قضيتهم عن مسارها على اساس انهم مجرد مجموعة من السياح اللبنانيين ضلّوا طريقهم اثناء الحج الى براد او خلال رحلة صيد في البادية السورية، لينتهي بهم الأمر مفقودين في سوريا او مخطوفين لدى الميليشيات اللبنانية، ودائماً بعد نهاية الحروب في لبنان. صحيح انه عثر على جثث شهداء عسكريين وضباط في مدفن ملعب وزارة الدفاع، لكن ثمة اسماء كثيرة لا تزال مجهولة المصير، في مقدمها الراهبان الانطونيان ألبر شرفان وسليمان أبي خليل، وعسكريو دير القلعة والحدت ومنهم جهاد جورج عيد وغيره ممن شوهدوا معتقلين لدى القوات السورية ثم اختفت آثارهم (…) ويخشى متابعون للملف ان يكون ما يجري في سوريا من أحداث وسقوط آلاف الضحايا والمفقودين والمعتقلين قسراً يجعل من العبث المطالبة بجلاء مصير بضع عشرات من اللبنانيين، وانه كان من الأجدى العمل على حل قضيتهم مع بداية "شهر العسل" بين النظام السوري و"التيار الوطني الحر"، اذ كان ممكناً اطلاق نقاش وبحث جدي في هذا الموضوع مع السوريين لكشف مصيرهم، لا التنصل منه بدعوى ان القضية من مسؤولية الدولة اللبنانية وحكوماتها.
المشهد الثاني
قبل اسابيع من 13 تشرين الأول 1990، حاول كثر اقناع الحكومة العسكرية بتوزيع السلاح على الشعب، لكي تكون مقاومة شعبية وتكرار تجربة حرب الاشرفية في حال نجح السوريون في اختراق خطوط الدفاع، ولكنهم لم يتوصلوا الى نتيجة، لاقتناع لدى الحكومة العسكرية بأن لا هجوم على المناطق التي تسيطر عليها، وتبين لاحقاً انها كانت نتيجة معلومات مغلوطة (…).
دخل السوريون قصر بعبدا ووزارة الدفاع، ورغم ذلك استمرت مرابض مدفعية الجيش اللبناني بقصف خطوط التقدم السورية ولم يصل اليها الأمر الشهير بوقف اطلاق النار. الدبابة السورية الاولى توقفت امام سنترال المنصورية آتية من المونتفردي ووراءها عشرات الدبابات، وخرج قائدها من البرج سائلاً: "من اين الطريق الى بيروت؟"، مخاطباً جمعاً من الاهالي كانوا يشاهدون بحزن وغضب ودموع ما يجري. يومذاك أيضاً لجأ قسم من القياديين من مناصري عون الى المختارة حيث حلوا ضيوفاً على وليد جنبلاط الى ان هدأت الأوضاع الامنية قليلاً.
المشهد الثالث
قيل الكثير عمن قاوم الاحتلال السوري بين 1990 و 2005، غير ان الامانة تقتضي القول ان عدد "المقاومين" كان قليلاً جداً مقارنة مع الفاعلية والصدى الاعلامي الذي كان اكبر بكثير من عدد الناشطين. لم تمارس ضد الجيش السوري "مقاومة عسكرية" بالمعنى الواسع للكلمة، وما جرى من اعمال عسكرية ضد مواقع الجيش السوري لا تزال يخيم عليها الكثير من علامات الاستفهام ودوائر الشك، خصوصاً مع رفض العماد ميشال عون اي عمل عسكري ضد المواقع السورية وتنصله منه، اضافة الى ادعاء اكثر من شخص مسؤوليته دون ان يثبت ذلك، لكن الاكيد ان الجهاز الأمني السوري – اللبناني المشترك عمل على ضرب اي محاولة حراك اعلامي وسياسي فكيف التحرك عسكرياً بـ"المقاومة المسلحة"، بدليل ما جرى في قضية الشهيد النقيب عماد عبود ورفاقه، او في قضية بطرس دحدح ورفاقه، او في قضية اطلاق النار على الباص السوري في طبرجا وغيرها (…).
اقتصر رد فعل الحالة الشعبية المؤيدة لعون على الزمور الشهير رغم القرار الحكومي الذي قضى بعقاب قانوني لمن يطلقه، لكن الامور بدأت تتغير بعدما اخذت الشعارات الجدرانية والمناشير والبطاقات والعملة النقدية تظهر بكثافة. وللأمانة فإن أول من وزع المناشير وشرع في فعل "المقاومة المدنية" كان فاضل طيار ورفاقه الذين اعتقلوا وعذبوا بشدة، ثم كرت سبحة الشعارات الجدرانية والصور والمناشير وكان اهمها ما جرى ليل ذكرى عيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1990 اي بعد اقل من شهرين على الاجتياح السوري.
اعتقد النظام الامني ان ثمة تنظيماً وقيادة يتوليان ادارة الحركة الاعلامية الميدانية التي "دوّخت الأجهزة الامنية" بالمناشير والشعارات الجدرانية وغيرها، لكن الحقيقة ان العمل كان فردياً بحتاً من دون اي تنظيم او توجيه. "الحركات الموحدة للمقاومة" التي كان يقودها م. أ. كانت الأكثر جرأة وابتكاراً، ومرة دخلوا مكتب الراحل الأمير فاروق ابي اللمع إبان اجتماعات المعارضة ضد الانتخابات وقالوا إنهم صوروا فيديو لمجموعة من الشباب تتدرب على السلاح ويريدون توزيعها على وسائل الاعلام مع التهديد بشن عمليات انتقامية في حال التعرض للشباب والاستمرار في اعتقالهم وتعذيبهم. فجنَّ جنون من عرف بالامر واعتبروه في ما لو حصل هدية كبيرة للنظام الامني الذي سينقضّ على المعارضة بوحشية. ليس معروفاً حتى اليوم من استخدم السلاح ومن المسؤول عن إلقاء القنابل على المواقع السورية في مختلف المناطق رغم وفرة من اعتقلوا بهذه التهمة (…).
المشهد الرابع
عقب حملات الاعتقال، ذهبت الى أحد الأديرة فأخذني راهب الى احدى الغرف حيث وجدت ا. ع. ينزف دماً من قدميه وكل انحاء جسمه بعد تعرضه للضرب المبرح بالكرباج. كان المشهد معبراً جداً، هذا الشخص اصبح اليوم من أكثر المدافعين عن النظام السوري. انطوان حرب كان يتعرض للاعتقال والتعذيب كلما وزَّع منشور او نظمت تظاهرة، ومرة تم رميه عند مستديرة الصياد بعد تعرضه للضرب المبرح. اما ع. ز. فكان نصيبه اكثر من ذلك اذ اعتقل ونقل الى عنجر حيث تعرض للتعذيب، وانتهى به الأمر بأن حضر ضابط استخبارات سوري مسيحي واخذ يجادله في اهمية حماية البعث للمسيحيين! اما غازي عاد فعجز النظام الامني عن اعتقاله بسبب اعاقته وعدم قدرتهم على نقله من مكانه، مما اقتضى استدعاء شقيقه عند كل جلسة تحقيق.
هذه المشاهد كانت قبل اعتقال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وحل الحزب، حيث تعمم القمع السوري ليشمل الجميع دون استثناء، ولترتفع وتيرة القمع والاعتقالات والاتهامات الى مستويات غير مسبوقة وصلت الى درجة الموت تحت التعذيب، في اشارة الى مدى الاهتمام البعثي السوري بحماية المسيحيين في لبنان!