الجمعة الرّابعة بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منْ مارِ إِسحٰقَ السُّريانيّ (آواخر القرن السَّابع) أَلمتواضعُ الحقيقيّ
ليسَ لنا في المجالِ أَن نعتبرَ كلَّ إِنسانٍ متواضعًا، في أَيِّ حالٍ كانَ. وليسَ كلُّ ذي طبعٍ هادىءٍ وديعًا مسالمًا بالغًا كرامةَ اتِّضاع، بل المتواضعُ الحقُّ منْ كانَ في نفسهِ شيءٌ خفيٌّ يستحقُّ ارتفاع، لٰكنَّهُ لا يتعظَّم، بل يكونُ في أَعماقِ فكرهِ كٱلتُّراب.
ولا منْ يذكُرُ خطاياهُ في مظهرِ تواضعٍ متواضع، ولو كانَ المظهرُ حسنًا جدًا، إِلَّا أَنَّهُ يَقرُبُ منَ التَّواضع، يحاولُ أُن يصلَ إِليه. أَمَّا المتواضعُ الحقُّ فلا يحتاجُ إِلى أَن يُقنِعَ ذاتَهُ أَو يَغصِبَ فكرَهُ على الشُّعورِ بٱلتَّواضعِ أَو خلقِ أَسبابِهِ، بل صارَ من طبعِهِ، بغيرِ جهد، أَلَّا يحسبَ نفسَهُ شيئًا، بل خاطئًا حقيرًا في عيني نفسِهِ، على كونِهِ مغلغلًا في أَسرارِ الرُّوحِ العميقَة، يبقى في نظرِ نفسهِ كمن لا يعرفُ شيئًا.
قوّةٌ خفيَّة، هبةُ الكمالِ تُعطى تكميلًا للفضائلِ، بلا تعَب!
الرّسالة: رؤ 21:22-22: 5
22 ولم أر فيها هيكلًا، فٱلرّبّ الإلٰه الضّابط الكلّ والحمل هما هيكلها.
23 والمدينة لا تحتاج إلى الشّمس ولا إلى القمر، ليضيئا لها، فمجد الله أنارها، وسراجها هو الحمل.
24 فتسير الأمم في نورها، وملوك الأرض يحملون مجدهم إليها.
25 وأبوابها لن تغلق طوال اليوم، لأنّه لن يكون ليل فيها.
26 ويحملون إليها مجد الأمم وكرامتهم.
27 لن يدخلها أيّ نجس أو فاعل رجاسة وكذب، بل المكتوبون في كتب الحياة، وكتاب الحمل.
22
1 وأراني نهر ماء الحياة برّاقا كالبلّور، خارجا من عرش الله والحمل،
2 وفي وسط ساحة المدينة والنّهر، من هنا ومن هناك، شجرة حياة تثمر ٱثنتي عشرة ثمرة، وتعطي كلّ شهر ثمرها، وأوراق الشّجرة دواء يشفي الأمم.
3 ولن يكون أيّ لعنة من بعد، ويكون فيها عرش الله والحمل، وعباده يعبدونه،
4 ويشاهدون وجهه، وٱسمه على جباههم.
5 ولن يكون ليل من بعد، فلا يحتاجون إلى السّراج، ونور الشّمس، لأنّ الرّبّ الإلٰه سينير عليهم فيملكون إلى أبد الآبدين.
شرح آيات الرّسالة:
22 رؤ 1/8؛ يو 2/19-21؛ رؤ 21/3؛ 22/3.
لم أَرَ فيها هيكلًا: الهيكل، في رجاء كلّ يهوديّ مؤمن، هو العلامة لحضور الله على الأرض (11/19؛14/15-17؛ 15/5؛ 16/1)، ولا خلاص نُهيويّ في أورشليم جديدة إلّا بهيكل جديد مطهَّر (دا 8/14). أمّا كاتب الرّؤيا فقد تخطّى إلى نظرة مسيحيّة جديدة: الله نفسه والحمل هما الهيكل الجديد والحضور الجديد في المدينة المقدّسة الجديدة.
الرّبّ الإلٰه الضّابط الكلّ والحمل هما هيكلها: إشارة إلى آخر آية في نبوءة حزقيّال: "وٱسم المدينة في ذٰلك اليوم الرّبّ هناك" (48/35). أمّا كاتب سفر الرّؤيا فيرى أنّ الله نفسه، والمسيح الحمل المساوي لله، صار هيكل المدينة الجديدة. والإنجيل الرّابع يرى أنّ المسيح الحيّ القائم هو الهيكل الحقّ (2/21)، فيه تجب العبادة (4/23). فلا حاجة إلى هيكل آخر من بعد! بهٰذا يختلف الرّجاء المسيحيّ عن الرّجاء اليهوديّ.
23 آش 60/1، 19-20؛ رؤ 22/5؛ 2 قور 3/18.
24 آش 60/3، 5، 11؛ 42/2-4.
تسير الأمم في نورها: في الكتاب المقدّس تقليدًا نفي شأن علاقة أورشليم المدينة المقدّسة بالشّعوب الوثنيّة، فهي إِمّا علاقة قتال (راجع شرح 20/8)، وإمّا علاقة سلام، في مسيرة نُهيويّة حافلة نحو أورشليم، تقوم بها الأمم والشّعوب كافّة، حتّى يشمل الخلاص جميع النّاس (آش 2؛ 60).
الأمم، ملوك الأرض: ملوك الأرض هم المُمْسِكون بزمام السّلطة، والسّياسة في العالم، الخادمون للنّبيّ الكذّاب (17/2، 18)، والمقاتلون اللهَ وكنيسَته (16/14؛ 19/19)، وهم أعداء الله في عداد الهابطين إلى بحيرة النّار (20/15). يرى شرّاح أنّ بحيرة النّار تقع في خارج سور المدينة (21/12)، لذٰلك فمسيرة السّلام تبدأ من الموت الثّاني (20/14)، أي أنّ الموكب يغادر بحيرة النّار ويدخل المدينة من جميع جهاتها. وتتمّ كلمة يسوع: "وأنا، إذا ما رُفِعتُ عن الأرض، جذبتُ كلّ إنسان إِليَّ" (يو 12/32).
25 آش 60/11؛ زك 14/7؛ رؤ 22/5.
لن تُغلَق طوال اليوم: يحذف الكاتب كلمة "ليل" من نصّ آشعيا: "أبوابها لا تُغلَقُ نهارًا ولا ليلًا" (60/11)، لأنّه لن يكون فيها ليل (21/25)، كما ولا بحر (21/1)، لأنّ المسيح الحيّ القائم ينيرها (22/5؛ يو 8/12؛ 2 قور 4/6).
26 مز 72/10-11.
27 آش 35/8؛ 52/1؛ زك 13/1-2؛ 1 قور 6/9، 10؛ 2 بط 3/13؛ دا 12/1؛ رؤ 3/5؛ 13/8؛ 17/8؛ 20/12، 15؛ فل 4/3؛ مز 69/28؛ خر 32/32، 33.
كتاب الحياة: راجع شرح 3/5.
1-5 إمتداد وإكمال للفصل السّابق: وصف مختصر لمدينة الله، مركّز على عرش الله والحمل (1، 3)، الّذي منه تنبع كلّ حياة جديدة؛ إشارة إلى الفردوس المفقود، فيه نهر ماء الحياة، وشجر الحياة (1، 2؛ تك2/9-10؛ حز 47/2- 12). لا يوسّع الكاتب وصف الحياة الجديدة بكونه راعيًا يحمل همّ كنائسه المُهدَّدة بالموت من داخل ومن خارج. يرى شرّاح في نهر ماء الحياة إشارة إلى سرّ العماد، وفي شجر الحياة إشارة إلى سرّ الإفخرستيَّا،.
1-2 إستشهاد من حزقيّال (47/1-12) وزكريّا (14/8)، يكمّل صورة مسيرة الشّعوب إلى أورشليم في الزّمن المسيحانيّ (رؤ 21/24-27) بصورة النّهر المسيحانيّ الدّافق من أورشليم (رؤ 22/1-2)، رمزًا إلى الرّوح القدس (راجع شرح يو 7/38-39)، وإشارة إلى ليتورجيّة عيد المظالّ (راجع شرح يو 7/2).
1 حز 47/1؛ يؤ 4/18؛ زك 14/8؛ يو 7/38.
وأَراني: مربوطة بالآية (21/10): "فأراني المدينة المقدّسة أورشليم.
برّاقًا كالبلّور: مُشعًّا بالنّور. رمز آخر إلى الرّوح القدس الّذي يقبله المؤمنون بيسوع، وهو ينبثق من الله الآب وابن الحمل.
عرش الحمل: يرى كاتب الرّؤيا أنّ الله الآب وابن الحمل كِلَيهما على العرش يملكان، بينما يرى بولس أنّ المسيح يسلّم المُلْك إلى الله الآب، ويَخضَع له، بعد أن يكون قد أخضع له كلّ شيء، ليكون الله الآب الكلّ في الكلّ (1 قور 15/24، 28). فٱلخلاص لا يأتي من الهيكل (حز 47)، بل من قلب الأقانيم الإلٰهيّة الثّلاثة، الرّوح، الّذي يرمز إليه نهر الحياة المتألّق، والآب، والحمل الّذي هو ابن.
2 تك 2/9؛ 3/22؛ حز 47/12؛ رؤ 2/7؛ 22/14، 19.
شجر حياة: (2/7) حرفيًّا "خشبة حياة" أو "شجرة حياة"، في صورة المفرد، والنّكرة، تعني أنّ شجرة الحياة الواحدة في الجنّة تصير شجرًا كثيرًا، وُسْعَ الكون والزّمان. يجمع الكاتب هنا صورتَين في واحدة، "شجرة الحياة" في وسط الجنّة (تك 2/9)، والشّجر على شاطئ النّهر في حزقيّال (47/12). "الشّجرة" في وسط السّاحة، وعلى شاطِئَي النّهر، في وقت واحد، لا يمكن رسمها واقعيًّا في صورة واحدة؛ لٰكنّ معناها يبقى أنّ الشّجرة هي في متناول كلّ يد، لكي يقطف من ثمرها ويحيا، ولكي تبقى خضراء لا تذبل، وتؤتي ثمرًا دائمًا (مز 1/3). الشّجرة، عند جميع الشّعوب القديمة، في بابل وآسية، والهند وإيران، وفلسطين، رمز إلى الحياة، والخلود والشّباب والحكمة. الحياة الأبديّة عطيّة دائمة من الله للإنسان بواسطة يسوع المسيح.
كلّ شهر: خصب الأشجار، كلّ شهر، على مدار السّنة، صورةٌ لأفراح المخلَّصين في أورشليم الجديدة.
يشفي الأمم: يستشهد الكاتب بحزقيّال: "فيكون ثمره للطّعام وورقه للشّفاء" (47/12). يضيف "الأمم"، ليؤكّد أنّ الشّعوب كلّها، في العالم الجديد، تسير إلى أورشليم، وتنضمّ إلى شعب الله (رؤ 21/24، 26).
3-5 يستعمل الكاتب كلّ الأفعال، ما عدا في 5ب، في صورة المستقبل: إنّه وعد من الله كبير وأكيد لعباده المُخلِصين.
3 زك 14/11؛ رؤ 7/15؛ 21/22.
لعنة: اللّفظة، في الأصل اليونانيّ، فريدة العهدَين. ورد الفعل منها في متّى 26/74. أقرب نصّ كتابيّ إليها: حز 14/11، أو تك 3/16-24. الله يُلقي حكمه على الإنسان الأوّل الخاطئ، ويفتح أمامه السّبيل للوصول إلى شجرة الحياة. يرى شرّاح أنّ الله سيرفع اللّعنة عن جميع النّاس، حتّى الهالكين أنفسهم، فيتحوّلون جميعهم خلقًا جديدًا، ويتحقّق لهم نصر كبير، ولو عبورًا بالنّار والكبريت، ويتمّ فيهم قول الرّسول: "يجمع (الله) في المسيح تحت رأس واحد كلّ شيء، ما في السّماوات وما على الأرض" (أف 1/10). لا يذكر الرّسول "ما تحت الأرض"، حيث الموت والتّنّين والوحشان، ربّمَا ليستثني هٰؤلاء من الخلاص المُعَدّ لجميع الباقين بغير ٱستثناء!
وعباده: ضمير الغائب المفرد هنا، وفي "يعبدونه" "وجهه"، "ٱسمه"، يعود إلى الله، وإلى الحمل، على حدّ سواء، فهُما وحدة لا تتجزَّأ.
4 مز 11/7؛ 17/15؛ 42/2؛ متّى 5/8؛ 1 يو 3/2؛ 1 قور 13/12؛ رؤ 3/12.
يُشاهدون وجهه: كان المؤمنون، في العهد القديم، يصعدون إلى هيكل أورشليم، ليسجدوا لله، ويروا وجهه. لٰكنّ ذٰلك بقي حلمًا ورجاء أجيال وأجيال، حتّى تحقّق أخيرًا في شخص يسوع عمّانوئيل، الله معنا.
5 زك 14/7؛ رؤ 21/23، 25؛ آش 60/19-20؛ دا 7/18، 27؛ رؤ 5/10؛ 20/6.
الإنجيل
لو 15 :3-7
مَثَلْ الخَروف الضّائع
3 فقالَ لَهُم هٰذا المَثَل:
4 أَيُّ رَجُلٍ مِنْكُم، لهُ مِئةُ خَروف، فأضاعَ واحِدًا مِنْها، لا يَتْرُكُ التِسْعَةَ والتِّسعينَ في البَرِّيَّةِ ويَذْهَبَ وراءَ الضَّائِعِ حتّى يَجِدَهُ؟
5 فإذا وجَدَهُ حَمَلَهُ على كَتِفَيْهِ فَرِحًا.
6 ويَعودُ إلى البَيتِ فيَدْعو الأصْدِقاءَ والجيرانَ، ويقولُ لَهُمْ: إفْرَحوا مَعي، لأنّي وجَدْتُ خَروفيَ الضّائع!
7 أقولُ لَكُم: هٰكذا يكونُ فرَحٌ في السّماءِ بخاطىءٍ واحدٍ يتوب، أكثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وتِسْعينَ بارًّا، لا يَحْتاجونَ إلى تَوبَة!
شرح آيات الإنجيل:
3-6 صورة الرّاعي وقطيعه صورة مألوفة في الكتاب المقدّس، وهي تعبّر عن عناية الله البالغة بشعبه (تك 48/15؛ 49/24؛ آش 40/11؛ حز 34؛ مز 23؛ 80/20؛ 95/7). وصورة جمع الخراف الضالّة تعبير نبويّ تقليديّ عن جمع الله لشعبه المشّرد، والعودة به الى أرضه (مي 4/6-7؛ إر 23/1-4؛ ينشد الخاطئ الضالّ، وهو أقرب الى الأصل من متّى.
5 حز 34/4، 11، 16؛ لو 19/10.
6 إفرحوا: يشدّد لوقا على الفرح في إنجيله عامّة، وفي هٰذا الفصل خاصّة (5، 6، 7، 9، 10، 32).
7 لو 1/14.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.