#adsense

زحف “الزومبي” إلى دمشق

حجم الخط

"لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي"

"الزومبي" لفظة مستعملة في لغة "الكريول" وهذه اللغة هي خليط من الفرنسية والإسبانية والعربية والانكليزية وبعض اللغات الأفريقية. وهي لغة يستعملها أهل جزيرة هايتي. واللفظة تعني "الجثة المتحركة" وهي حالة تصف عودة الحياة الى الموتى من خلال ممارسة مشعوذ لسحر "الفودو". ولكن هذه الجثث المتحركة تبقى تحت سلطة المشعوذ الذي أحياها لأنها لا تملك أي إرادة أو ضمير. أما في المجال الاجتماعي، فتستعمل لفظة "زومبي" لوصف الأشخاص الفاقدين للاحساس والضمير وغير القادرين على التعاطف مع البشر.

بعد نجاح فيلم جورج روميرو سنة 1968 وكان بعنوان "ليلة الأموات الأحياء" أصبحت لفظة "زومبي" منتشرة في مختلف أرجاء العالم ومرتبطة بسلسلة طويلة من أفلام الرعب التي تزحف فيها جموع "الزومبي" على البشر لتنهش في اللحم الحي من دون رادع أو وازع.

لا شك في أن الكثير منا أصبحوا يعتبرون مشاهد الثورة السورية وما يفعله النظام بالمواطنين جزءاً من أفلام الرعب التي ينصح بأن يتجنبها الأطفال وأصحاب القلوب الضعيفة والحوامل. ولكن الملفت هو أن تصرفات شبيحة نظام الأسد وكتائبه أصبحت تشبه أكثر فأكثر جموع "الزومبي" بعدما فقدت ضمائرها وإحساسها الإنساني وأصبحت تسير تحت تأثير مشعوذ متعطش للدماء لا هم له إلا البقاء في سلطة استولى عليها والده واحتفظ بها بالمكر والخداع من جهة وبالبطش والقهر من جهة أخرى.

سوريا الأسد ما هي إلا أحد الأمثلة الصارخة على الأنظمة الاستبدادية التي تحولت الى كتل متراكمة من الفساد الإداري والأمني والمالي في مقابل استسلام كان طويلاً للمواطنين بناء على مبدأ "النحس الذي تعرفه أحسن من الخير الذي تتعرف عليه".

منذ المكيدة العظيمة التي أتت بالمجموعة العسكرية سنة 1963 الى حكم سوريا تحت شعارات بعثية ملتبسة، دخلت سوريا في متاهات التسلط الأمني والفوضى الإدارية، الى أن وصلت الى حملة تذابح متبادلة بين أركان النظام على مدى سبع سنوات، ذهب ضحيتها الآلاف من النخب العلمية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، إما قتلاً وإما سجناً وإما تهجيراً.

في النهاية تمكنت المجموعة الأكثر مكراً من الاستيلاء على الحكم في حركة بهلوانية سميت "الحركة التصحيحية" لتدخل سوريا في عهد عائلة الأسد. في هذا العهد العظيم استمرت شعارات "الوحدة والحرية والاشتراكية"، ولكنها أفرغت من كل مضامينها وتحول الحكم الى عقلية أقلوية نكلت بالأكثرية وحرمتها من كل حقوقها السياسية، وتركت لها بعض أبواب التجارة والأعمال الحرة لتتلهى بها تحت رعاية السلطة. أما الإدارة فقد تكومت فيها طبقات الفساد من أسفلها الى أعلى قممها، وصار الحاكم يحتفظ بملفات مساعديه المفسدين والفاسدين ويلوح بها لكل من تسوّل له نفسه المنافسة على السلطة.

لقد تم تدجين الناس لأربعة عقود إلا قلة عنيدة أصبحت نزيلة السجون أو أجبرت على الهجرة بشكل نهائي يائسة من إمكان الإصلاح أو التغيير.

بالطبع، فقد حاول نظام الأسد رسم بعض التلاوين الإصلاحية بعيد سقوط الاتحاد السوفياتي، ولكن القبضة الأمنية بقيت العنصر الأساسي في إدارة الحكم. وكان حافظ الأسد يتمتع ببعض الهيبة المحلية والإقليمية، الى أن أتى التغيير بوفاة الأب سنة 2000 فتحول الحكم سريعاً من نظام شمولي الى مافيا عائلية استولت على كل مقدرات سوريا الاقتصادية والمالية. هذا الى أن هذا النظام حافظ على عادة الأب القديمة بابتزاز العالم في موضوع الإرهاب والأصوليات الدينية للمحافظة على دور إقليمي يسميه اتباع هذا النظام "الدور المحوري لسوريا الأسد!".

كان تاريخ هذا النظام مصحوباً بحملات دموية، وكانت مسألة حماة من أشهرها وأكثرها دلالة على قدرته على سفك الدماء، ولكن قضايا أخرى شديدة الخطورة مارسها هذا النظام ولم تأخذ دورها في الإعلام ومن ضمنها إعدام المساجين بطرق مختلفة وشديدة الوحشية مما أبقى سيف الارهاب مصلتاً على رقاب الشعب السوري.

كل هذا أصبح اليوم من الماضي بعد سقوط كل الأقنعة التي كان يلبسها نظام الأسد من ممانعة وهيبة ومواجهة الأصوليات وغيرها من البضاعة الفاسدة التي كان يسوق لها هذا النظام. لذلك كان من الطبيعي أن يخرج الشعب السوري من حالة الصمت بعد أن ألهم ربيع العرب ملايين السوريين ودفعهم الى الثورة على واقع لا يمكن الاستمرار بقبوله.

بالطبع لم يكن لدى هذا النظام إلا إفلات شبيحته ورجال أمنه للتنكيل بطالبي الحرية والساعين الى العدالة في مشاهد أصبحت اليوم مكشوفة ومعروفة لكل العالم بعدما كسر هذا الشعب العظيم العزلة الإعلامية التي فرضت عليه منذ عقود.

ولكن المقزز على الجانب اللبناني من القضية هو استمرار بعض فاقدي الاحساس في دعم هذا النظام واختراع الحجج لتسويغ قتل الناس في سوريا.
والأكثر إثارة للأسف هو قيام بعضهم، ومنهم من لا ينفك عن الحديث عن حقوق الإنسان، بزيارات مذلة لدعم هذا النظام وفك عزلته ومن ضمنهم مؤخراً بعض السيدات اللواتي لم يزعجهن منظر الأمهات السوريات وهن يندبن فلذات أكبادهن الذين قتلتهم شبيحة هذا النظام.

فما الفرق إذاً بين هؤلاء وبين الشبيحة؟ فكلهم يعملون لتغطية هذا النظام وإجرامه. ألا ما أشبه هؤلاء في زحفهم الى دمشق بزحف جموع من "الزومبي" تحت تأثير المشعوذ الأكبر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل