حتى الساعة لم يصدر عن إيران ردّ فعل بمستوى قضيّة خطيرة كإعلان تورطها في تدبير محاولة اغتيال سفير السعودية في أميركا عادل الجبير، وحتى الساعة ـ ونستغرب هذا الأمر ـ لم يجب أحداً من المحللين السياسيين العرب عموماً والسعوديين خصوصاً على سؤال يطرح يومياً في حلقات الحوار المتلفزة: لماذا عادل الجبير؟
والسفير الجبير تحديداً يستطيع أي متتبع لمساره الديبلوماسي أن يُدرك، أنّ الرّجل يشكّل في شخصيته وحنكته «مستقبل» العلاقات الخارجية للمملكة، والجبير شخصيّة ديبلوماسيّة تذكرك باثنين، بالفيصلين نجلا الراحل الملك فيصل، على الأقلّ متتبعون كثر يرون فيه امتداداً لديبلوماسيّة ممتازة ومتميّزة مثلها سعود الفيصل منذ تعيينه في منصبه، وهو نقيض محاولة ديبلوماسيّة كان ضررها أكبر بكثير من فائدتها على المملكة وعلى لبنان الذي دفع أخطاء ثقة كانت في غير محلّها بنظام أتقن لعبة التحايل والتقيّة، واستبطان غير ما يضعه قيد الإظهار!!
وللمصادفة كانا بالأمس أول من صدر عنهما تعليق سعودي رسمي حول التهمة الموجهة الى ايران، ومن يتتبّع الخيط الديبلوماسي الرفيع للتعليقين يدرك أن المملكة ردّت على مستويين: «ديبلوماسي، ومخابراتي».
على مستوى الردّ الديبلوماسي الصادر عن وزير الخارجيّة السعودي الأمير سعود الفيصل، كانت الرسالة شديدة الوضوح: «إن أي تحرك تقوم به إيران ضد السعودية سيقابل برد فعل محسوب»، وفي هذه الجملة خلاصة حنكة وحكمة المملكة في التعاطي مع هذه القضيّة الخطيرة التي تشتعل كفوهة بركان لهبه قد يفجّر المنطقة برمتها كتهمة تدبير محاولة اغتيال سفير أكبر دولة عربية بكل ثقلها الشرق أوسطي والخليجي والعربي والعالمي.
أمّا التعليق الثاني، فهو مخابراتي بامتياز، فإذا كان سعود الفيصل وزير خارجية للمملكة منذ عام 1975، فشقيقة الأمير تركي الفيصل شغل منصب مدير عام إدارة الاستخبارات العامة في المملكة منذ العام 1977، وظل يشغل هذا المنصب حتى 2001، بكل ما حفلت به هذه الحقبة من مآزق دراماتيكية في المنطقة، هذا إلى جانب تعيينه في عام 2005 سفيرا للسعودية في أميركا حتى عام 2007، وخلاصة التعليق اقتناع سعودي بتورط إيران في تدبير هذه العملية واطّلاع على أدلة كثيرة تشير إلى هذا التورط، مذيّلاً بالموقف السعودي غير المعلن رسميّاً حتى الآن.
فقد كشف تركي الفيصل في تعليقه عن «أدلة هائلة تظهر بوضوح مسؤولية إيرانية رسمية عن هذا…لا بد وأن يدفع أحد في إيران الثمن»، وختم تعليقه بباب ديبلوماسي لم يغلق بعد في وجه إيران، إن هي تعاملت مع هكذا قضيّة بجديّة كبرى، لا بخفّة تعليقات إعلاميّة، تليق بحزب الله كميليشيا تابعة لإيران، لا بدولة إقليمية كبرى لها ديبلوماسيّتها التي تعتد بها، والمطلوب سعودياً ـ غير رسمياً ـ ببساطة هو التعاون، أوضحته دعوة الأمير تركي الفيصل لـ «السلطات الإيرانية إلى المساعدة وتقديم المسؤولين عن محاولة الاغتيال للعدالة»، وهذا الموقف هو قمّة الحكمة وضبط النفس وتحكيم العقل رغم «فظاعة» العمل المدبّر، الذي نتمنّى أن تتلقفه طهران بما يُناسب حجم خطورته على المنطقة وعليها، فطوال السنوات الماضية جهدت أن تبعد عن نفسها شبهة العداء للمنطقة العربية، والحرص على علاقات أكثر من جيّدة مع المملكة، وكلّ الخوف أن يكون الردّ الإيراني بمستوى ردّ حزب الله، ففي لبنان «قديسين» وفي إيران «مقدّسين»!!
وأوّل غيث إنذار أن وقت اللعب الإيراني في المنطقة العربيّة قد انتهى هو طلب مجلس التعاون الخليجي لعقد جلسة عاجلة للجامعة العربية بشأن الوضع في سورية، وإن كان هذا الاستيقاظ العربي قد تأخّر جداً جداً، وهو مؤسف جداً أيضاً لأنه لم تحركّه كلّ الدماء التي أريقت في سورية إلا بعدما أدرك أن الخنجر بات يحزّ حلقه لا حلق الشعوب المسكينة الرهينة، وبعدما ترك المنطقة زهاء ربع قرن ـ ولبنان تحديداً ـ والقضية الفلسطينيّة خلال أربعة عقود ويزيد، والعراق، واليمن، لعبة أولاً بيد استراتيجية الأسد الأب في اللعب على التناقضات وتضييع الوقت ودعم التمدّد الإيراني البطيء، ولاحقاً تورّط الأسد الإبن في لعبة خطيرة تقود إلى تغيير هويّة سوريا العربية أولاً، ولبنان، وتمثّل خطراً حقيقياً على المنطقة أسقطه فيها عدم خبرة ومعرفة في السياسة ـ لدواعي الوراثة ـ وفي خصوصيّة المنطقة، وأهمية دور سوريا فيها، وممارسته لعناد فوقي تركه اليوم في عزلة دولية وعربية، وفي لحظة خطيرة إيرانياً تكاد فيها حليفته التي اتكل عليها دائماً لتعويم حكمه أقرب إلى حاجتها لتعويم حكمها في إيران، لا نفوذها في الشرق الأوسط الذي أوشك على انهيار آخر معاقله!!